يصنع عالماً من الأسرار الصغيرة

بقلم: عهد فاضل – شاعر وناقد سوري

عادةً ما تعكس التجربة الشعرية، في اختيارها الذاتي، نوعاً من المعايرة الواحدة. وإذا تعددت المعايرات، ففي الغالب تتحدد في دمج نظامي الشكل الفني مع العالم الشعري. أما تنوع المعايرة في الشكل الواحد وفي العالم الشعري الواحد فهو أمر يصعب تكوين المدلولات أو يجعلها عرضة لتظهير الرمز مخلخلاً حين يشحن بأكثر من مستوى ومعيار. الشاعر المصري كمال عبد الحميد استخدم أكثر من طريقة للخروج من تهديد كهذا، في ديوانه ” تمام الجحيم” الصادر أخيراً عن المكتب المصري للمطبوعات (القاهرة 2005). ففي قراءة الكتاب تتبدى أسلوبية يسرت للشاعر النجاة من دمج المعايير وتأثيرها الممكن في وضوح الرمز، واللافت أن النتيجة بدت في التخفف من أي إرباك قد يقع أو احتمال كلفة عالية في الصوغ. يظهر الشكل في ” تمام الجحيم” مظهراً لغويا معبرا عنه في استبطان النبر للحكاية، عبر تدوير مدروس للأسطر نجح في إخفاء الزمنين المتناقضين، مبدئياً، وهما: زمن الانخطاف الشعري، وزمن السرد على خلفية اختطاف السارد للتكثيف وحميمة اليومي المستسر للتفصيل واللافظ البلاغي

يرجع استبطان النبر للحكاية إلى أكثر من نظام معرفي حيث يقوم الشاعر مقام السارد، وتتضمن اللحظة الأبدية اللحظة الزمانية ” الفانية”: ” تماما / كأن التي بكت رائحتها على فمي / لم تكن طريدتي بالليل والنهار/ كلما حدثتني بغزوة الجسد / المطل على مائي / أقول: غداً / الماء أصابع الروح لصعود بناية من دم ولحم”. إذا أردنا أن نتذكر الجرح الذي فتحه وديع سعادة في الشعر العربي المعاصر، فهو يكمن في قراءة كهذه يتحد فيها المرئي باللامرئي عبر استبطان الشاعر للسارد وعبر إخفاء معالجات الثنائي الدائم: موت / حياة . في مكان آخر نجد أن كمال عبد الحميد يزيد من فاعليات الاستبطان السالف، وهنا من خلال تجميد حركة الزمن بنحو أشد:” هذا قاتلها / هذا أسود هامشها / هذا خرابها ليس بيدي / أظنها اقترحت حائطين / لتصل إلى آخر البار”.لا بد من أ القارئ لحظ أن الحكاية المتسربة تحت ضغط عجز حامل السر عن كتمانه عبر عنها في شكل هو أقرب إلى الأشياء التي تتبقى بعد رحيل أصحابها بعيداً!
يستطيع الرمز استبطان الحكاية لأنه عادة يوحي ويشحن ويترك الأثر، ولا يقوم على مبدأ تلاؤم منطقي يوحد اللفظ بالدلالة توحيداً كاملاً، من أجل هذا لم يقع الشاعر في تهديد دمج المعايير المؤدي إلى خلخلة الرمز، لأنه ببساطة دفع النبر ليتعامل مع السرد كموضوع داخلي فيعود إلى مملكة الأنا ولا يصبح فارضاً لشرط الزمن والحوار والشخص: ” أظنها ألقت معطفها / التي وصفت عابريها بالجراد / وهي تشغل خلاءها بالحقد / أخذت سيجارتي الأخيرة / بكت / لأن ليلة بالثلج لا تعيد غائبها”. يلاحظ كيف أن قوة الغائب جاءت لتتوج فاعلية الاستبطان السالف، فعلى رغم أن المخاطب غائب وغير مباشر الحضور، نفاجأ بأن لهذا الغائب غائباً آخر! ويتمحور النبر في الدلالة أكثر مما يتمحور في الصوت، وكذلك تولد نكهة الأثر في هذا المبهم المتوالد بعضه من بعضه الآخر .
وإن كانت السمة الأساس، تقنياً، في كتاب الشاعر كمال عبد الحميد، هي استبطان النبر للحكاية، فإن إشارة أخرى طرحها الشاعر من خلال تقديم الكتاب كله من دون عناوين داخلية فاصلة، كما لو أن ” تمام الجحيم” قصيدة واحدة كاملة. وهي كذلك بالفعل، إن من خلال تماثل الأشياء التي تتوارد تباعاً في النص, ومن شأن غياب العناوين الداخلية الإيحاء للقراءة بوحدة تامة بين المسرود والخاطف حتى لنظن أن الزمنين ” العدوين” أبرما الصلح أخيراً:” كيف تجرؤين على النظر في عينيه / كأنما لم تنظري في عيني؟/ بإذنك تنسحب الرحمة من حولي / والنمل هداياك الأخيرة / كيف لم نمت وجهاً لوجه / كيف لم يقتلني غيرك بحقد أقل؟” . تدقيق بسيط في مفردة الرحمة التي وردت فجأة في النص تعطي الانطباع بالاستبطان والوحدة، هذا على رغم ضعف المبرر الفني لحضورها، فهي جاءت لتؤكد رفع الجزء للكل عبر نظام غير قابل للتطبيق دائماً .
العالم الشعري في ” تمام الجحيم” هو مزيج من أسرار ” صغيرة” عملت الأسلوبية على إنضاجها بعيداً من الإسهاب والميلودرامية. وهذا يعطي انطباعاً بالمختبر الذي يستسره نص الشاعر، وإلا فما الذي دفعه إلى عدم الاحتفال بأسراره كما لو إنها تتكون للمرة الأولى؟ الهمس ذاك في طرح السر الصغير يؤكد مختبرية نص كمال عبد الحميد، ما يذكر بالتجربة الشعرية الجديدة لشعراء لبنانيين جدد كجوزف عيساوي وناظم السيد وعلي مطر حيث تعاملوا مع الحكاية كأداة للشعري لا كأداة للوصفي السارد، وهذا نراه أيضاً في النثر المصري الجديد عند عماد فؤاد وإيمان مرسال ومثلهما في الشعر السوري الثمانيني كلقمان ديركي وعمر قدور، ما يعطي انطباعا بشيء من المعايرة المنتصرة كنموذج عام تتقاسمه مواهب مختلفة المشارب. في العودة إلى عالم عبد الحميد الشعري والأسرار الصغيرة نجد كيف أن ما يبدو ميلودرامياً في تجارب متعثرة – كبعض تجارب النثر المصري والسوري تحديداً نشير اليها في دراسة مستقلة – يبدو إشارياً موحياً غير واقع في عوز الإسهاب الذي لا براء منه:” غداً أراقبك في موتي وأضحك / كيف تستبدلين الورد بالورد / العطر بالعطر / الأسماء بالأسماء / ما اسم صاحبك في بطاقة الإهداء؟”. لقد تخلص الموت هنا من الاستخدام الدعائي الذي يستهلكه بعضهم إما من طريق رغبة الإسعاف أو من طريق الاتكاء الكامل على فاعلية الكلمة .
الشيء الذي يمكن ألا تجده القراءة، في هذا الكتاب، هو ما لا تراه أيضاً في غير كتب، حيث انفراد هذا الاقتراح كغيرة من اقتراحات بتقريب المسافة بين الاسم والمسمى، ذاك بسبب الاستبطان المستمر للسرد، ولهذا لا نجد استقلالاً كاملاً للمنطوق أو للسطر الواحد، ما يذكر مرة أخرى بضرورة عودة المختبر الشعري ليشكل المرجعية غير الممكن تجاوزها والتي تتمتع بمقدرة فاعلة على التقليل من الأثر الرجعي للتجريب والمعايرة  – جريدة الحياة – لندن -5 يونيه 2005



اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

Default thumbnail
المقالة السابقة

ليلة مع .. زوربا اليوناني

Default thumbnail
المقالة التالية

الذي لم ير شجراً طيباً

اخر المقالات من في خبر كانَ