كل ليلةٍ أضمُّ جيمَهَا وأبكي

   
الآن، لستُ راغباً في شيءٍ، لستُ ناقماً على الجيم لأطاردها، وأتربصُ بها في كل ميتةٍ، لذا يجوزُ لي أن أجرها إلى أقرب حانةٍ، أضمها ضمة أخيرة وأمضي، لأن لدى كثير من الألمِ لأفرحَ بالحياةِ، لدى ما يكفي من العتابِ لأنامَ وحيداً

الآن في جيم الجحيم، ثمة فضة كثيرة تسيل من قلبي، لون يشبه عينيها تحت ضوءٍ خافتٍ، وليس في مقدروي أن أشكل هيئةً ما من كل هذه البريق المهدور، أراه يذهبُ بعيداً، ويتفرقُ بلا رغبةٍ في أن يكون شيئاً يدلُّ عليها، ربما لأنني أريد في أعماقي أن أراه يذهبُ     بعيداً، ويتفرقُ بلا رغبةٍ في أن يكون شيئاً يدلُّ عليه

الآن، ليس في مقدور أصابعي أن تستفيد من الفضةِ المهدرةِ، أو أن تجسد قطعةً ما من جسدها، ولو شفتين صغيرتين،  حاولتُ أن أرسم ثدييها، أن أستحضرُ رائحتها في صلواتٍ عميقةٍ، لكنٍ دون جدوى، كأنني أطلبُ معجزةً لا أستحقها، لذلك رضيتُ بأقداري، تيقنتُ أنني ضائعٌ ومعصوب العينين أمام كتابي، ولا مبرر لكل هذا البكاء الفضي، لأن الدموعَ- أياً كان معدنها- لا تريدني أن أعلقَ   جيم حبيبتي على ظهري، فيتبعني الخذلان من بيتٍ إلى بيت 

الآن، آهِ من الآن..
 كم أحبُّهَا وأنا أتلعثمُ في جيمها، وأنا أسمع قلبي يسبني لأنني ألقيتُ به عارياً، وتركتُ الغبار والرطوبة يؤدبانه شهوراً طويلة، يا لمصيبتي حين أنتبهُ إلى دمي فلا أجدُّ غيرها، أليس مؤسفاً أن أتورطَ هكذا؟ أليس عاراً ألا أنسجم مع الطبيعةِ، وأفهم أن غريزة التكاثر تسبق الحب، وأن الشهوةَ يمكن أن تحضرَ بغيرِ القبلة، بنظرةِ العينِ مثلاً؟ 

يا لسذاجتي حين توهمتُ أنها ستنام ثلاث ليالٍ على قبري
 تحدثُ أطفالنا عن مواهبي التي لم يقدرها أحدٌ
 إلا ودبر لي مؤامرةً بحجم طيبتي
الآنُ، إذا قلتُ: كُنْ، صدقوني لن يكونَ شيئاً، أنا مجردُ كافٍ مُهْمَلةٍ لا عمل لها، كافٍ مُعَطلةٍ عن المعجزات والخوارق، تتنقل بحقائبها من قبرٍ إلى آخر، تتعرف بالضرورةِ إلى حراس بنايات كثيرين، وباعة جدد، وتأنسُ لأصدقاءٍ ضائعين بدرجاتٍ أقلِّ مما تود.
أنا مجردُ رجلٍ حزينٍ يسأله البارمان: لماذا تأتي وتذهب من دون أن تشتهي امرأةً؟،  فأحدثه كيف قتل  مايكوفسكي نفسه لأجل امرأةٍ   بلا جيم، فقط لكي يقول لها أحبكِّ 
جيمٌ، جيمٌ، جيمْ، يمكنني أن أبقى لسنوات أكتبُ جيمها، ربما أتزوجُ ثانيةٍ، وأظلُ مخلصاً لهذا العذاب الفضي، أصحو وأنام لأجلس إلى مكتبي وأضيفَ شيئاً جديداً، قد أتوقف لدقائق بين الحين والآخر لأطبع قبلة عميقة على شفتي امرأة تزوجتني لسببٍ لا أعرفه، ثم أعودُ لأشطبَ جملةً أو أغير موضعها. هكذا يمكنُّ للجيمِ بمرورِ الوقتِ، أن تعيشَ معي، طالما أزودها كل يومٍ بحصةٍ كافيةٍ من دمائي.
صوتٌ:
في كل صباحٍ
أجرُّ جيمها عن قصد
أُعطشها
أضمها وأبكي؟
صدى:
إعلم أن للحروف خدامها وأطباعها، والجيمُ هوائية، وخادمها كلكائيل، من خاطبه بلطفٍ وخضوع، وكتبها بحبرٍ أسود 53 مرة عند ولادةِ كل شمس، ثم نامَ على جنب قلبه، رُفِعتْ عنه الجيم بعد ثلاثة أقمار كاملة، وأعزه الله بنسيانها، حتى إذا سأله الناس عن حروف الهجاء، جرتْ على لسانهِ برداً وسلاماً، وسقطتْ عنها كل صفةٍ لامرأةٍ أو مدينة
صوت:
 جيمُ جمرةٍ أقبض عليها 53 مرة 
   جيمُ جرتْ بيننا موجة وتكلمتْ
جيمُ جاءتْ مُعَذبتي يومَ كانتْ تذهبُ وتجيءُ 
جيمُ جمادٍ رَقَّ من تعبِ طوافي حول خشب الطاولات
جيمُ جنةٍ طُردتُ منها من دون خبزٍ أو ماء
 جيمُ جرةِ عسلٍ وقعتْ على شفتيها حين استوتْ بدناً وروحاً
  جيمُ جفلتْ فرسها أمام رقم الباب 
جيمُ جفوةٍ كاذبة ظهرتْ للناسِ فوق جثتي
 جيمُ جارة الوادي بعد جارةِ القمرِ في جنازةِ اللحنِ والأغنية. جيمُ جفنين عميقين بما تحتهما من دلالٍ وكحل 
جيمُ جديلةٍ تسقطُ على ناحيةٍ نسيتُ أي ناحيةٍ. جيمُ جبين لم تُكتبْ عليه كاف كمالها. جيمُ جدّتي إذ دعتْ بما لا يُسْتَجابُ: حَبَبَ الله فيكَ أهل الجيمِ. جيم جرجا إذا لم تقلبها عمتي دالاً على صوت القطار. جيمُ جهلها بمنزلةِ حرفها في بيتِ حرفي
جيمُ جربتُ غيرها، فما جاوزتها جرة قلمٍ إلا وبكيتُ. جيمُ جمعتُ تفاحها في سلةٍ واحدةٍ، ففسد الجزءُ والكلُّ. جيمُ جوابٍ لم يردْ على لسانها حين نزلتْ بي: لماذا وكيف؟. جيمُ جملٍ لم يجد في دمه ماءً يومَ وقعَ في عطشِ حرفها 
جيمُ جسدِ أصابعي يجفُّ، كلما تحول عن أرضي غيمها. جيمُ جهنمٍ وأسمائِها السبعة في تفسيرِ أحوالها. جيمُ جرتني من قَمِيصَي، وقَدَّتْه مِنْ دُبُرٍ، فمضيتُ خلفها إلى بئرٍ وذئب. جيمُ جرى دمي بعدها في وادٍ غير ذي زرعٍ. جيمُ جواربها، لم ألمس ألوانها مرة، لم أنزعها بلطفٍ في خمسة شتاءات. جيم جهرها بمعصيتي  في ارتجافة التوبة أمام شجر البرتقال. جيمُ جنوبيٍّ تجحظُ عيناه خلفَ ما يشبه صوتها في الشهوة والضحك 
جيمُ جسرٍ معلق إليها، كلما بدأته انتهيتُ إلى مذلةٍ، كلما قلتُ ها قد وصلتُ، تحركتُ الأرضُ بأمرها، وحط طائرٌ أسود على كتفي. جيمُ جزيرة نائية أود لو ألوذ بها، أفرُّ من ضيقِ بيتي وقلبي، أخطبُ ود شجرةٍ وحيدةٍ لا أعرف لها اسماً، أبكي أمامها، أنام تحتَ ظلها، أحرقُ قاربي، وأعلم يدي تلويحةَ الوداعِ لكل بعيدٍ يمرُّ، أخلقُ جهلي ببطءٍ، فلا يقعُ في أذنيّ ما يبدأ أو ينتهي، أو يختلط بالجيم. جيمُ جرادٍ أكل خبزي أمام عينيها، فلم تفرقُ بين الجراد والحصاد(29). جيمُ جناحي المكسورين في عام الرمادِ دون جبيرة قميصها 

جيمُ جبهاتٍ فُتحتْ على دمي، فما رأتْ في الحربِ غير دمها. جيمُ جعبتي خلتْ من سهامٍ محبتها فامتلأتُ بجيشٍ يفرُّ. جيمُ جعلتْ حرفها حكمةً وجرفها مماتةً. جيمُ جنوني بها في كل امرأةٍ، تخيلُ وجهها في البدء والختام، استدعاء ملاكها ليقيدَ رعشتي عن سواها، اشتهاء العمى وجهل الحواس. جيمُ جوليانا، وأي امرأةٍ عاريةٍ تبكي في كل مرةٍ أقولُ: جيمكِ غير جيمها. جيمُ كل ما يُنْطَقُ جيماً في أي لغةٍ لا أعرف منها غير حرف اسمها. جيمُ جاري، سكنتْ جيمه بيته دون طلسم أو حجابٍ. جيمُ جر الخبز من وهج الفرن، وليس في البيت سوى لبنٍ وتمرٍ. جيمُ جهة قلبٍ لا يُستدل عليه إلا بكافٍ تتبعُ جيماً 
جيمُ جبلٍ أتحصنُ به من امرأة تضربُ بعصاها الأرض خلفي، كلما اختبأتُ خلف صخرةٍ  وشتْ بي إليها. جيمُ جفافِ عينيها إذا ألقتْ بنظرة ومضتْ لتعدَّ العشاءَ، وترتبُ السرير لرجلٍ لا يرى نقطة حرفها.  جيمُ جنـّيِّـةٍ شدتني إلى أرضٍ مهجورةٍ، ملأتْ فمي رملاً، فما سمعتْ الأم استغاثة الممسوس. جيمُ جاذبيةٍ تعطلتْ، فطارتْ الكائناتُ والأشياءُ، تصادم الخشبُ والحديد، الأجساد الحيةِ والميتةِ، ذلك أن ما يجيء مع الجيم يذهبُ معها. جيمُ جرسٍ في رقبةِ تدورُ خلفها 180 درجةً 
جيمُ جردتني من بركة الرزق، إذْ جردتني من نعمة الحب، لأن رضا الله من رضا الوالدين بعد الجيم. جيمُ جريمةٍ كاملةٍ حين تقولُ مبتسمةً لسيدها: صباح الخير. جيمُ جغرافيا كرهتُ دروسها في تَقَلبْ المناخ  بين حرفٍ وحرفٍ. جيمُ جميلة لا أنطقها كاملةً إلا في خلوةٍ حين أشتهي صريحِ سُمِّها. جيمُ جرأةِ يديها ترفع الثوب عن بدنٍ يرتعشُ في غفلةٍ عن بدني 

جيمُ جهزتُ روحي لأذهبَ خلف أبي، أمسكُ بطرف ثوبه ملايين السنين في الأبد، لا تعنيني هذا الأرض الخائبة بلا جيم، لا تعنيني الكاف المُهْمَلة، وهي تصطاد حروفاً ميتةً من الحاناتِ لتنسى وتنام، أريد طفولتي ، سذاجة أصابعي قبل حريرها، أريد بكائي على حلوى البقالة الرخيصة، لا على امرأةٍ كلما نزلتُ مدينة غادرتها. جيمُ جلستُ فوق سريري فلم تنم شياطينها. جيمُ جثةٍ تسير بي إليها. جيماتٌ جائرةٌ تسقطُ بفضلٍ من حرفها فوق عظامي 

صدى:
إحبسْ جيمها في طلسمٍ مع كافِ اسمك ، اكتبْ ما تحب وتكره من أحوالها معك مما يبدأ بالكاف أو الجيم، ضعْ عملكَ في جيبٍ على يسار صدرك ، واحذر قبل أن تقع في النوم، أشر إلى قلبك، قل كما قال المصطفي في محبة عائشة: “اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك”.
 فإذا دارتْ بك سبع ليالٍ
دون جزعٍ 
جاءتك البراهين بنسيانها
صوت:
– قلتُ لها: أريد قارباً إليكِ
– قالتْ: يجفُّ مائي عنكَ  
– أريد عربة إلى قبر أبي
– لن أعودَ إليكَ
– تعالي مرةً أخيرةً
 رقصةٌ ثانيةٌ في السر
لن تورطنا في الحب
– تعبتُ من أصابعك
– أريد بطاقةً هاتفيةً
 لأشكوكِ إلى أمي
– ألم أقل لكَ…
حكيتُ لصديقي
قال: بسيطةٌ، اشربْ وابكِ ونمْ

صدى:
“الجيمُ تحبس النفس أن يجري معها
ويضطربُ اللسانُ في الفم
عند النطق بها
 خذلانها غالبٌ على كل موتٍ
لا تستطيع الوقوف عليها إِلاَّ بصوت”
صوت:
علمتني مرغماً
 الوقوف على فعلها بالصمت
صدى:
خذْ نفساً عميقاً
الحبلان الصوتيان يهتزان مع الجيم
فيتكيف كل الهواء بنطقها

صوت:
 لم تترك لي حبلاً واحداً
أصعد به إليها
صدى:
“الجيم تخرجُ مجهورةً
عقب الاحتباس
وإذا اختلطتْ بالكافِ
 فليستْ بالفصيحة”
صوت:
إشارة إلى فسادٍ مُقدرٍ
في اجتماع حرفي بحرفها

صدى:
“الجيم صوت حنكيّ، تُنْطَق برفع مقدم اللسان تجاه مؤخر اللثة ومقدم الحنك، تتصل بهما محتجزة خلفها هواء رئتيك ثم تنفصل عنهما ببطء”
صوت:
 لم يبق وعد خرجَ من حنكها سالماً
 ميتاً
 أكاد أُشيد ببطء انفصالها
صدى:
“الجيم منقوطة أسفلها”
صوت:
 كافُ اسمي مُهْمَلَةُ

صدى:
تُكْتَبُّ الجيمُ مفردةً في مثل: تخرجُ
ومتصلةً بما بعدها في مثل: جميلة
 ومتصلةً بما قبلها وما بعدها في مثل: فجأة
ويُستغنى بها عن الألفاظ
صوت:
 لا أستغني بها بعد اليومِ عن شيءٍ
 وإن كنتُ واقعاً في حرفها
صدى:
ذلك قليلٌ مما سترى بعدها

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

المقالة السابقة

أينَّ قميصها لأستردَّ عافيتي؟

المقالة التالية

ما رأيته ناقصاً وأنا ذاهبٌ إلى كمالي

اخر المقالات من عاطفة قاسية تلوّح بالعصا

اعترافات البارمان

يوماً ما سيقول لكِ البارمان: كان لدينا رجلٌ حزينٌ، قتلته امرأة تشبهكِ إلا قليلاً، لا تبحثي

عِتـــابُ الجِيم

في البدءِ أقولُ: أحبكِ، وأنا أكره روحي المختبئة في الظلِ كطفلةٍ مذنبةٍ، روحي التي ورطتني في

كمالٌ ناقصٌ

يا جميلةُ راهني على اسمٍ آخر أنا مجردُ كمالٍ ناقصٍ أبارككِ في موتي أُحدثُ عنكِ الترابَ

دعاء غير مستجاب

لابد أنني حزينٌ للغايةِ لأتحدث بمرارةٍ عن القدرِ أُعلقُ فوق حبالهِ سفينتي الغارقة لذلكَ سأنتظرُ حتى