ميتاً أتأملُ الكارثةَ ببطءٍ

  عجائزُ كثيرات عرفنني من صورِ الحائطِ، من ألبومِ الجدرانِ حول سريرِ أمي

كثيرات وبضوءٍ خافتٍ في العيون، لوحنَّ بأصابعهنّ اليابسةِ تجاه غرفتي

 قلنَّ فيما يشبهُ الهذيان:

منها وحيداً خرج

 إليها وحيداً يعود

 

مِنْ بعيدٍ

مِنْ خلفِ قارتينِ

من هنا

وحيداً أعودُ وأمشي

إلى منتصفِ الترابِ

وفي الليلِ

يسقطُ نباحُ الكلابِ على وجهي

أمررُّ كفيّ خاويةً للصغارِ

” وحشتنا يا خال “

لا شيء معي غير اسمي يا أطفال

أنا مجردُ خطيئةٍ في جيبِ حبيبتي

الآنَ وفقطْ

مجردُ خطيئةٍ في جيبِ حبيبتي

غنوا خلفي

(عواد باع أرضه يا ولاد)

غنوا على نغمة النوا

على وزنِ الرجفةِ القاتلةِ

فعْلنْ فعْلاتُن … مفْعولْ

كلُّ حركةٍ للعاشقِ

يعقبها سكون الموتِ

غنوا بتصرفٍ

(عواد باع قلبه يا ولاد)

 

أنا هو حفارُ قبري

قاريءُ السِّورِ القِصار

اقرعوا الطبولَ الصغيرةِ

الطبولُ التي صنعتها الأمهاتُ

من جلدِ الماعزِ

للاحتفاءِ بالسذّجِ والمجانينِ

حين يقطعونَ الشوارعَ بدموعهم

اقرعو الطبولَ ضاحكينَ

واضربوا على ظهري

بالطوبِ والعصيّ

حتى تخرج النداهة من قدميّ

اضربوا

حتى تصرخ العجائز أمام البيوت:

اتركوا الرجل يمر

دعوه لحاله

يعبر الجحيم إلى أمه

كفوا عن الضحك

يكفيه ما فيه

ومن ضحكتْ عليه

 

من بعيدٍ

من بين قارتينِ

مازلتُ مؤمناً

أنَّ هناكَ قتلاً أخفَ

مثلما هناك قبلةٌ أخفَ

مازلتُ مؤمناً

أنَّ القتلَ السريع من رحمةِ الحبِ

تكريم لائق بالعشاق الأغبياء

ما زلتُ مؤمناً

أن حبيبتي تسرعتْ كثيراً

كان بمقدورها أن تغسل يديها

من رائحةِ الطيورِ الصغيرةِ

وتربتُّ على كتفيّ

كان بمقدورها أن تقولَ بلطفٍ:

“اذهبْ حبيبي إلى النوم”

ثم تُغْلّق الباب

آهٍ .. لو أنني مكانها

لجعلتُ نهايتها أجملَ

كنتُ سأقبلها قبلةً أخيرةً

وطويلةً إلى حدٍ ما

وبالطريقة ذاتها التي نحبها سوياً

أتركُ كفي لكفها

ثم أتحسسُّ قلبها بخمسةِ أصابع

أيّ باليدِ الواحدةِ التي تعرفها جيداً

كنت سأروي لها آخر دعابةٍ

عن صعيدي أحبَّ امرأةً واحدةً

وماتْ

كنتُ سأفعلُ أشياءً كثيرةً تروقها

أُعيدُّ ما عرفناه وأزيد عليه

بعدها سنبكي متعانقين

ليموتَ كل منا راضياً عن الآخر

ويتفرق دمنا بين القبائلِ

 

لم أكنْ أريد شيئاً كثيراً

لمْ

أكنْ

أريدُ

شيئاً

كثيراً

 

آهٍ

ما أرخص الأغنية التي ندخرها

لكل فشل في الحب

نستعيدها في كل مرةٍ

بالنغمةِ ذاتها

دون أدني اعتبار

لاختلاف الموتِ

 

رخيصٌ هذا الجحيم

الذي نذهب إليه بدموعنا

دون أن نعرفَ

لماذا نموتُ في الحب

ولا نموت في الكراهية

 

آهٍ، يا قدري

اكشفْ ماوراء الشجرة اليابسة

الشجرةُ التي اسمها حياتي

قلْ كمْ تبقى من الموتِ

هل ثمة ما أخسره

وأنا منكسٌ هكذا على الأرضِ؟

يا قدري، أيها العبقري

كيفَ ابتكرتَ مآسي بعفويةٍ؟

كيفَ أرسلتني بضربةِ حظٍ واحدةٍ

بين يدي حبيبتي؟

يا قدري، أيها الأسود العميق

ما أجملكَ

ما أروعَ جيوشكَ العمياء

وأنتَ ترى مواهبكَ في كتابي

 

مِنْ بعيدٍ

مِنْ خلفِ قارتينِ

تصطفُّ القطاراتُ دقيقةً للحدادِ

القطاراتُ التي لن تأخذني إليكِ ثانية

القطاراتُ التي هاتفتك منها

مرةً أو مرتين

ورويتُ لكِ عن بائعِ الجرائد

ذي العينِ الواحدةِ

كلُّ شيءٍ عرفته قبلكِ

لكي أروي لكِ عنه

كلُّ شيءٍ خسرته لأكسبكِ

ربما لتصبحَ خسارتي على يديكِ

أمةً واحدةً وعظيمةً

 

مِنْ بعيدٍ

مِنْ خلفِ قارتينِ

أرى عائلةً ممتدةً من الموتى

أجيالاً غاضبةً

تخرجُ من الترابِ

وتسدُّ الشوارعَ إلى البيتِ

أرى حفلاً لاستقبال جثتي

حفلاً لتطهيرِ روحي

من خيبةِ الحبِّ

 

الماءُ صافٍ كدموعِ أمي

والكفنُّ من قطنِ الحقولِ

التي لم أرها منذ عشرين عاماً

انظري

الكفنُّ وسيعٌ على نحافتي

ربما لأنهم سيضعون اسمكِ

وسنواتنا الخمس

هداياك القليلة

وأكاذيبكِ التي سيمددونها بجواري

كأدلةٍ قاطعةٍ على تعاستي

ثم يغلقونَ القماشَ برأفةٍ

وهم يتحدثونَ عن حماقةِ العاشقِ

عن أعمى القلبِ

عن الثأرِ الذي لا يجوز من امرأةٍ

والعارِ الذي يُثقل الشجر

على جانبي الجسر

أحبكِ، أجل أحبكِ

أيتُّها اللعنةُ الجميلةُ

كيفَ أكرهكِ

وأنتِ تعلمينني كل ليلةٍ

أن أحبَّ الموتَ

 

لم يعد لدي شيءٌ لأرفعه فوق رأسي

لم يعد بين يدي ما أنظرُّ إليه

حتى السماء التي بكيت تحتها

أوقعتني على الأرض

فاختبأتُ خلف جثتي

 

لدي الآنَ فرصةٌ تاريخيةٌ

لأرتبَّ ميتتي

لا أريدُّ الحنينَ إلى أحدٍ

اكتفيتُ من قلبي

تكدستْ سلالي بالسحبِ الميتةِ

والوعودِ المغمورةِ باللعناتِ

كلُّ شيءٍ يبدو الآنَ عميقاً

جارحاً

أمام عينيي الميتتين

فارقني العمى

السذاجةُ

حُسنُّ الظنِّ بالوردِ

والموسيقى

فارقني الطفلُ الذي كان يلعبُّ

على كتفيّ

حملَ اسمي 44 عاماً

موعوداً بالجنةِ والحورياتِ

تخليتُ عن مجدِّ الوصايا

الحنينِ أمام النوافذِ

عذوبةِ البكاءِ في الحبِّ

تخليتُ عن وعدِّ حبيبتي

بحياةٍ أخرى

حتى لا يسخر الموتى

من طفولتي المتأخرة

ويتغامزونَ بخبثٍ

على أحزاني المهدرة

في الأبد

 

لا أريدُّ الحنينَ إلى أحد

سأتبرأ من سنواتي الأخيرة

أصعدُّ شجرةً عاليةً

وأراقبُ الغابةَ مِنْ بعيدٍ

أكتفي ببضعِ ثمراتٍ

وقليلٍ من الهواءٍ

لن أتذكرَ غير ما يبهجني

لن أنزلَ إليكم

سوى مرةٍ واحدةٍ

حين يسقط جسدي

كثمرةٍ ناضجةٍ

في فم الموتِ

اتركوني هنا في عزلتي

قريباً من الله

والمطرِ

والطيورِ المتأرجحةِ

لأنني كرهتُ البيوتَ والجدران

كرهتُ ما تبقى من حبيبتي

ما تبقى من حوافر أصدقائي

على الرخامِ

أقولُ لكمْ من خلفِ جثتي

هذه عاقبةُ فشلي الذريع

في التطورِ الطبيعي

كانَ بوسعي أن أربي أنيابي بفخرٍ

أتباهي بقدرتي على القفزِ

وأشتهى القتلَ بخفةٍ

كان بوسعي كل هذه الحياة

كل هذه التفاهة في الحبِّ

واصطياد الرخيصاتِ

بالمجاملةِ الرخيصةِ

لكنني أحبُّ جسدي الميت

روحي المعذبة بقدر سريالي

فخورٌ بانقراضي المفاجيء

لأنَّ العالمَ لم يعد يعنيني

لا امرأةً ماكرةً

تجرني بقبلتينِ إلى النارِ

وتكرر خذلانها في السماء

ولا أصدقاءَ قتلةً

لم يفكروا يوماً في الانتحار

قبل أن يتحدثوا بنذالةٍ

عن النشوءِ والتكيفِ

وحيونةِ الإنسان

 

لا أريدني كما قتلتني حبيبتي

كما أنا الآن

ميتاً

أتأملُّ الكارثةَ بعمقٍ

أريدني كما تعرفني أمي

أصابعي كما هي

فمي كما هو

ونحافتي مهيأةٌ للطيران

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

المقالة السابقة

أينَّ قميصها لأستردَّ عافيتي؟

المقالة التالية

ما رأيته ناقصاً وأنا ذاهبٌ إلى كمالي

اخر المقالات من عاطفة قاسية تلوّح بالعصا

اعترافات البارمان

يوماً ما سيقول لكِ البارمان: كان لدينا رجلٌ حزينٌ، قتلته امرأة تشبهكِ إلا قليلاً، لا تبحثي

عِتـــابُ الجِيم

في البدءِ أقولُ: أحبكِ، وأنا أكره روحي المختبئة في الظلِ كطفلةٍ مذنبةٍ، روحي التي ورطتني في

كمالٌ ناقصٌ

يا جميلةُ راهني على اسمٍ آخر أنا مجردُ كمالٍ ناقصٍ أبارككِ في موتي أُحدثُ عنكِ الترابَ

دعاء غير مستجاب

لابد أنني حزينٌ للغايةِ لأتحدث بمرارةٍ عن القدرِ أُعلقُ فوق حبالهِ سفينتي الغارقة لذلكَ سأنتظرُ حتى