هي ذاتها

اللوحة للفنان هاني الحيد

   هي ذاتها التي أخذت بيد الفتى حين تعثرت قدماه، وكاد يقع في عقاب بلا ذنب. هي ذاتها التي رأت فيه شيئاَ لا يراه غير ذي بصر وبصيرة. كان الفتى في ضيق واقعاً في جوف بئرٍ، يسأل روحه: هل من أحد في المكان يلقي بحبل لأصعد إلى هواء غير عطن؟ هل من وجه يطل إلى قاع البئر، وينصتُ لآهة من سقط على وجهه بفعل فاعل؟

هي ذاتها نزلت بتواضع من علياء اسمها، مشتْ بقدمين كريمتين حتى حدود آهة المأزوم، قالتْ: افرح أنت في تجربة، هم المحظوظون أهل للتجربة والألم، ابتهج لأنك تستحق الحزن الذي يطهر روحك، ويعلمك كيف أن للمرارات خبزاً وعسلاً حين تصطفيك الحكمة.

هي ذاتها أخرجت الفتى من عتمة بئره، وأشارت إلى مقعد تحت ضوء عينيها، قالت: اجلس هنا، اكتب بدم لا حبر، قل لمن حفر لك حفرة، وغرس سهمه في ظهرك أن لك أجنحة تطير بك فلا تميتك طعنة الظهر. اجلس هنا واكتب، سأفتح لك الباب فادخل إلى نصف الدنيا حتى إذا استرحتْ بعد تعبٍ، وابتسمتَ بعد كآبة، صارت لك الدنيا كاملة بطمأنينة القلب والروح

اسمها سناء البيسي، مع حفظ المحبة واللقب، هي ذاتها الغيمة الممطرة على رؤوس من حالفه الحظ وسكن تحت غيمتها، سيدة الوقت الذي لا يعقبه وقت وإن تقلب الزمن وتبدل الناس. لا تخط بيدها كما يخط الكتبة حروفاً ميتة بعد حروف، لأن لروحها لغة لها روح، ولقلبها لغة لها قلب، لا يقرأها أحد إلا وأخذته الأسئلة إلى عميق الدهشة فيهذي خلف كلماتها: كيف تقدر هذه السيدة أن تجعل البشر كلمات؟ كيف تقدر على السحر والفتنة؟ وأي قلمٍ، أقصدُ أي روحٍ هذه التي إذا كتبت حرفاً صار له بدنٌ، صار له دمٌ ولحمٌ، فإذا اجتمع الحرفُ مع الحرفِ لم يكن بينهما ما يزيدُ أو ينقصُ، تمامٌ غير منقوصٍ، الحذفُ منه جهلٌ، والتعقيب عليه فشلٌ وتخريب.

هي ذاتها هي، لا غيرها في ذاتها، ولا يشبه مطرها مطر وإن بدا حاضراً في غيابها، لأن لحضورها خلود من لا يحده الزمان والمكان. كانت إذا جاءت إلى مكتبها حلت البهجة في الطابق الخامس فإذا به يزهو على غيرها من طوابق الخشب والأسمنت، كأنما يباهي أمام مرايا الغرور بها على طوابق لم تدخل إليها. كانت إذا مشت بين تلاميذ وعيها، وطلاب خبرتها ومحبتها لا تناديهم بالاسم إلا نادراً، لأن لهم لقباً واحداً يؤنث ويذكرحسب النوع والجنس لا حسب الجاه والنسب. لقب واحد يؤنث ويذكر فيكون “حبيبي و”حبيبتي” لمن تصادفه في الممر أو تسأله عن أمر أو تكلفه بمهمة، وكان طلاب مدرستها أبناء عائلة يتنافسون على ابتسامة رضا من عينيها الرحيمتين، ولم يكن غضبها إلا صمتاً وعزوفاً، واختفاء اللقب عن صاحب الذنب والتقصير

هي ذاتها لم تضع الفتى في سجنٍ وإن أخرجته من ورطة البئر وسجن الأزمة، مشى إليها قبل خمسة عشر عاماً بخطى الخوف يسألها أن يذهب خلف نداء السفر، فلم تقل له: هل أخرجتكَ من عتمةٍ لتقفز إلى ضوء أبعد من ضوء عينيي؟ لم تؤنبه على حلمٍ ورغبةٍ، وضعت على جناحيه بعض الحكمةِ، وأوصته بالذي توصي به الأم ابنها، حذرته من ذئاب الغربة، وهمستْ إليه أن يعود إذا ألقى به السفر إلى تفاهة أو متاهة

هي ذاتها يذكرها الأربعيني بمحبة، يتركُ لحضورها أن يتمدد مثل حقول قمح بلا نهاية، ويرى بقلبه اسمها شجراً طيباً في عيون من كانوا يوماً تحت ظلال طيبة عينيها

 

 

مقال (كاريكاتيزما)- مجلة الصدى- 21 أغسطس 2011

 

1 Comment

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

المقالة السابقة

القيثارة

المقالة التالية

الفرح المتاح

اخر المقالات من تحت ظلال الآلهة

سارقُ النار

لا لغة تقدر أن تكون الريح إذا شاءت أن تصف الريح إلا إذا كان كاتبها عاصفة،

العبقري

  كان غبار القرى لا يزال رائحة قميصه حين كانت تتكرر مصادفات المصعد في المبنى الزجاجي،

ما أجمل ضحاياك

قبله هل كان الشعر يمشي على الأرض؟ قبله لم يكن للشعر قدمان، كان له أجنحة لا

من يكره فيروز؟

  أنا أكره فيروز طاوعه لسانه وقلبه مرة ونطق بها، تورط في غضبة الغيرة، ولم يكن