مَنْ للبيت بعدكَ؟

استند على عظام كتفي
استند في مرضك على الجدار الذي بنيته بالعرق والصبر، استند على حائط دمي، أنا ابنك الذي ربيته على الحب فأهلكه الحب، أنا ابنك الذي تغرب ليبقى هو بعدك سند البيت، فلم يبق منه سوى الغبار، وهل يستند الرجال مثلك إلى غبار؟ مَنْ منا يستند الآن إلى الآخر؟ أنتَ في تهلكة المرض، وأنا في تهلكة العجز، مَنْ لنا سوى الله الذي تعرفه أكثر مني؟
خُذْ بيدي ياأبي..
أنا المريض بكَ وبإخوة تكسرتْ قلوبهم في انتظاري على عتبة الدار.

استند في شيخوختك على خيبتي، وفي ضعفك على هواني، وفي آخر عمرك ما تبقى من آخر عمري، أنا ابنك.. أحببتكَ حين كانت قسوتك دلالة الهيبة والجلال، أحببتك.. حين كنتَ شامخاً تهز البيت بصوتك، وتختصر الكلام بالعين، ترج المكان بالعصا، فيصمت أمام صمتك الرجال، وأحبكَ الآن وأنتَ تتلعثم كالأطفال، كيف ثقل لسانكَ وأنت الذي خَفَ ميزانه بالصوم والصلاة، والحديث عن كرامات الأولياء؟! أحبكَ الآن وأنتَ لا تفهم لماذا، دون الناس حولك، يأخذك كبدك إلى الألم والسرير والشقاء؟ أحبك ياأبي فاستند على لحم كتفي الذي من خيركَ، فلا تخجل من الآهة المكتومة في الصدر، أخرجها باكياً.. قبلك ياأبي كم بكى الأنبياء، ليس عيباً أن تنام مبكراً دون أن تجلس يوماً في مجالس الرجال، نَمْ ياأبي، الريح تستريح، الجبال تعرف التعب. نَمْ أيها القروي العنيد.. استرح حتى يذهب ضيفك الثقيل، ضيفك الذي لم تبخل عليه بكبدك، مَنْ قال لك إن المرض ضيف يستحق الروح والبدن؟ من أخبرك بأن الحياة وجبة طعام تقدمها إلى الغرباء؟ من أوهمك بكل هذا الكرم؟ استند إلى لحم كتفي الذي من خيركَ، أعطني يدكَ أو خذ يدي معكَ، أنا متعب بالذي عرفته حين خرجت عن طوعكَ، حين غادرتُ بيتك مسكوناً بالحلم والرغبة، حين صار لي بيت أبعد من عينيك• أنا متعب لأنك تذوي كاللهب، تكاد تنطفئ كجمرة في موقد شتائي. لا ترفع رايتك البيضاء ياأبي.. قاتل الذي يسكن كبدك لأجل من تسكن أكبادهم. أنا ابنك البكر، وأطيب ما في اسمي اسمك، قل لي، كيف أداويك من العلة التي جاءتك مع السؤال عن الابن الذي هجركَ، الابن الذي أوصيته بأن يتخذ له زوجة طيبة، فلم يحفظ الوصية والوعد، الابن الذي لا تدوم له امرأة وتدوم له الحسرة في الحب، أنا ابنك الذي تسكنه الجنيات، وتغويه النساء بالأسى والعطر. قل لي كيف أشدك بعيداً عن عتمة القبر؟ أعطني يدك.. أعطني وحدي مرضك، أعطني دون أخوتي السم الذي يأكل كبدك، وإن شئت أن تبقى قروياً في عدلك، وزّع أيها الأب تركة الهم، وزّع على أبنائك المرض الذي أقعد قدميك عن الحقول والحصاد، ونم قرير العين على سريرك، عد إلى مدخل البيت، قف كنخلة واجلس في هيبة كالحكماء. أيها القروي العنيد.. كيف لا تثأر من قاتلك؟ كيف لا تطرد الموت عن كبدك؟ أين بندقيتك المخبوءة بين أعواد القمح والذرة؟ لماذا لا يرحمك المرض وأنت الذي كنت تقولها أمام أعدائك: “العفو عند المقدرة”؟! أيها الأب العنيد.. في دمي اسمكَ فلا ترفع رايتك البيضاء واستجب لصرخة الأبناء حولك: ..مَنْ للبيت بعدكَ؟

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

Default thumbnail
المقالة السابقة

الذي في القرى.. ينتظر

Default thumbnail
المقالة التالية

هل ثمة هاتف محمول للموتى؟!

اخر المقالات من سيرة الحنين والفوضى

THE VOICE OF ENIGMA

بالأمس قررت أن أكون وحيداً مع صوت “إنيجما”، قررت أن أكون مخلصاً لها لمرة واحدة، وفي