من يكره فيروز؟

 

أنا أكره فيروز

طاوعه لسانه وقلبه مرة ونطق بها، تورط في غضبة الغيرة، ولم يكن بين يديه سلاح غير إخفاء الحب والجهر بكراهية كاذبة، كانت سيدة قلب الفتى ماضية في خرابها العظيم، تحفر بأظافرها فوق ظهره أخاديد عميقة، وتلقي بالملح على جراحه دون رحمة، وكان في غضبته مجنوناً يمشي حافياً على جمر وشوك.

قال لروحه كيف أغيظها هذه الحبيبة الهاربة؟ كيف أعذبها بغير ما يعذب العاشقين عادة، ولم يكن سلاحه في وجهها المتجهم سوى أن يكره ما يحب وتحب، سوى أن يقول لامرأته عاشقة فيروز: أنا أكره فيروز.

كأنما كان الفتى طفلاً على أطراف الحقول، يخرج لسانه ليغيظ طفلة أشقته، وينتظر أن تصرخ باكية وماسحة دموعها بظهر يديها، مهرولة في فستانها الوردي إلى حجر أمها، فتضمها ضمة الرأفة والضحك على السذاجة الحلوة.

كأنما كان الفتى يرغب في إلغاء أجمل ما بين قلبه وقلب امرأته. كأنما لا يريدها أن تسمع صوت فيروز الذي يسري في الدم دون أن تكون واقفة على أرضه، دون أن تتذكره في كل نبرة ونغمة. كيف إذاً لسيدة قلبه أن تحرق أشجاره ثم تغني خلف فيروز بعيداً عنه، كما كانت تحت عينيه تدندن:

(وهديتني وردة، فرجيتا لصحابي، خبيتا بكتابي، زرعتا عالمخدة، هديتك مزهرية، لاكنت داريها، ولاتعتني فيها، تاضاعت الهدية، وبتقلي بتحبني، مابتعرف قديش، مازالك بتحبني، ليش دخلك ليش).

على الفتى الغاضب أن  يسلب حبيبته جوهرة أذنيها ووقتها كما سلبته جواهر حضرتها وحضورها، هذه التي أكل الحياد نظرة عينيها موعودة بعقاب لا يشبه غيره. هكذا قرر الفتى ذات حسرة أن يقولها في وجهها: أنا أكره فيروز، فترد له المرأة الطفلة شقاوته بشقاوة من عسل، تقول له بجدية”وأنا أكره أم كلثوم”، فيكتم أمام امرأته ضحكة حب عظيم يخشى أن يقتله.

كلاهما يقفان على أطراف حقول خضراء، كلاهما في العشق طفلان يشهران أسلحة البراءة وسذاجة القرى، فإذا كرهت من أحب وتحب، سأكره ما تحب وأحب، هي حرب إذاً وبعدها تعلو الحواجز وتقام الحدود.

طاوعه لسانه وقالها ذات عناد ” أنا أكره فيروز”، كان يبكي على قلبه في قلبه، يتذكر الصوت الذي ينقله إلى روح سيدته وتاج رأسه:

( لما عالباب يا حبيبي منتودع، بيكون الضو بعدو شي عم يطلع، بوقف طلع فيك وما بقدر أحكيك، وبخاف تودعني و تفل وما ترجع، بسكر بابي شوفك ماشي عالطريق، فكر أنزل أركض خلفك عالطريق، و تشتي عليي ما تشوفك عينيي، و أنا أركض وراك أمدلك إيديي، وأندهلك أنطرني حبيبي و ما تسمع).

طاوعه لسانه وكذب كذبته الكبيرة، كتم المحبة لفيروز ليشعل حطب قلب حبيبته، وهو يحرس في أعماقه صورة فيروز، وصوت فيروز. قيمة فيروز، ومجد فيروز. فيروز ذاتها المكتملة بذاتها، وفيروز البستان المورق والمثمر، فيروز الأخوين رحباني، بيروت الصامدة، القدس العتيقة، شادي. فيروز الحب والوجع والحسرات حين ترفع الذكرى سيفها فوق رقبة العاشق:

(ما رح ترجع بعرف أنن غيروك، يا حبيبي وعذبوني وعذبوك، سهروا عينينا و فرقوا أيدين، وصرنا كتير نخاف إذا نحنا تلاقينا، ما بنتلاقى إلا وقت اللي منتودع).

طاوعه لسانه وكذب كذبته الكبيرة، لكنه الآن يعترف بعناده، يعتذر لروحه عن كراهية كاذبة أعلنها في غضب لجزء من روحه، جزء من تشكله يوم فتح عينيه على ورق وحبر ونغم وغناء، ولفيروز ظلال بعيدة وعميقة في الوجدان والوعي، فكيف صدقتْ امرأة قلبه كذبته؟ يخاف الفتى من سؤاله إذ تركض خلفه ذئاب الحقيقة الجائعة أن من كان يظنها تحبه، وتعرفه كأصابع يديها، لم تكن تحب وتعرف غير أصابع يديها، لأنها صدقتْ يوماً أن به كراهية لفيروز. يا ألله، من يقدر أن يكره فيروز؟

 

مقال كاريكاتيزما – مجلة الصدى -4 سبتمبر 2011

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

المقالة السابقة

الفرح المتاح

المقالة التالية

ما أجمل ضحاياك

اخر المقالات من تحت ظلال الآلهة

سارقُ النار

لا لغة تقدر أن تكون الريح إذا شاءت أن تصف الريح إلا إذا كان كاتبها عاصفة،

العبقري

  كان غبار القرى لا يزال رائحة قميصه حين كانت تتكرر مصادفات المصعد في المبنى الزجاجي،

ما أجمل ضحاياك

قبله هل كان الشعر يمشي على الأرض؟ قبله لم يكن للشعر قدمان، كان له أجنحة لا

الفرح المتاح

  مات ولم أزل أحبه، ربما لأن الموتى الجميلين يستحقون الاعتراف بالحب، يستحقون أن نقولها بعدهم