في يوم.. في شهر.. في سنة

اللوحة للفنان هاني الحيد

صوتكَ لا ترده تلويحة يد، أو حيلة نسيان، غابة شوك إذا مشى فوقها جريح القلب، تأخذه بكلمة، وتحرقه بنبرة، وتقيد ذراعيه بنغمة سوداء في اللحن، فإذا من يسمعك بعد فشل في الحب، يكاد يشق صدره بتنهيدة، وهو يغالب ملح دموعه: (في يوم في شهر في سنة، تهدى الجراح وتنام، وعمر جرحي أنا أطول من الأيام، وداع يا دنيا الهنا، وداع يا حب، يا أحلام، دا عمرو جرحي أنا ..أطول من الأيام).

صوتكَ عاصفة إذا ركب الفتى قارب ذاكرته، إذا قال – عن جهل- هي أغنية وأنام، فإذا بكَ تحاصره من كل ناحية، تغني باكياَ، فيتبعك باكياً، ويشد غطاء حسرته فوق رجفة البدن، تضيق رئتاه فيسحب هواء الغرفة الجاف دون جدوى، يود أن يغلق عليك كل مخارج الصوت، لكن لصوتكَ إلى قلبه مئة مدخل ومدخل، فيذهب النوم، ويجيء أرق الحسرة:(حبيبي شايفك وأنت بعيد، وأنا في طريق السهد وحيد، وكل خطوة في بعدك ليل، وشوق وذكرى، وجرح بعيد).

في يوم.. في شهر.. في سنة، كان الفتى طفلاً حين ربطت يديه بحبال صوتك، قلت له: تعال معي، فطاوعك كأن الأب لم يحذره يوماً: إياك والغرباء، كأنك من أهل البيت والعائلة، وصوتك علب الحلوى المشتهاة، فراح معك، وراح خلفك، وتابعك أينما حللت في ورق وحبر، في صناديق خشب ظن أن بها عفاريت تقدر على استدعاء صوتك كلما بدل موجة الإرسال، وفي شاشات صغيرة لا لون لها، جاء بها من اغتربوا خلف لقمة العيش والرزق.

في يوم.. في شهر.. في سنة، عرف الفتى قلبه يوم عرف صوتك ووجهك، يوم جرته بنات أفلامك إلى نساء متخيلات، وعيون مسكونة بالحنان والنعم، وبفاكهة لا تثمر إلا على يدي امرأة واحدة، فإذا به يتبعك من أغنية إلى أغنية، من فرح يرج القلب، إلى حزن كأنه مماتة وقبر، تغني البهجة فيقفز فوق عشب وزرع، يمشط الشعر حتى يغطي أذنيه، فيهدده الجدَ المهيب بمقص الحلاق العجوز، يتشبه بك في الكلام والحزن والبنطلون الوسيع، يسبح في ترع راكدة حتى إذا دخلت البلهارسيا دمه، ابتهج في طابور المرضى لأن في دمه ما يجري في دمك من علة وشقاء.

في يوم..في شهر.. في سنة، قال الذي يختبر الفتى في مهنة البحث عن المتاعب: اقترح أول عنوان تكتب فيه وعنه، فبادره الذي هو سجين صوتك: بيت العندليب أمنية ورجاء، هكذا كنت أول بحث الفتى، طرق الباب ففتحته شقيقتك الأم،  تركته ينظر مأخوذاً بحلوله في أماكنك، كأنما يبحث عن تنهيدة معلقة في أشيائك الحزينة، راح يلمس أرفف الدواء، زجاجة العطر وما تبقى فيها من رائحة يتيمة، علامة سوداء على ظهر السرير القماشي من أثر الرأس المجهد في المرض والأرق، مقعدك في شرفة تطل على حديقة الأسماك، جدار صالة تطل منه في لوحة، ومكتب مات خشبه يوم فارقه قلق أصابعك، كل شيء كان أنتَ، حتى كاد الفتى أن يتوقعك خارجاً عليه من غرفتك.


في يوم.. في شهر.. في سنة، جئت للفتى بجميلة في الحب، كأنما هي من روح صوتك أغنية، كانت إذا وقعت ضحكتها في قلبه جاء صوتك: (بالي كان خالي وانشغل بالي، نظرة والتانية غيروا حالي، وابتدا عمري بالهوى الغالي، وابتدا قلبي يعرف الدنيا). وكانت إذا حبست حنانها عنه، جاء صوتك: (شبابي الغالي ضيعته، أناجي في الهوى اسمك، وأملي لما صورته في أجمل صوره كان رسمك، غالي عليا..وضي عينيا، ارحم عذابي معاك). وإذا نقرت عصافير عتابها شرفته، جاء صوتك:( طفِّيت كل الشموع، وقلبي ارتاح و نام، ارتاح من الدموع والحب والآلام)، ولما ذهبت جميلة لم يذهب صوتك:( أنا كنت هواه وحبيبه، روحي وقلبي حواليه، لو كان الدمع يجيبه، كنت أبكي العمر عليه).


في يوم..

في شهر..

في سنة..

صوتك في الحب فاكهة، في الوداع يتم، في الفقد مماتة، في الغيرة جنازة

صوتك في الحنين فراشات انتظار على أصابع  الفتى العشر

 

 

مقال ( كاريكاتيزما ) – مجلة الصدى -12يونيو2011

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

المقالة السابقة

أحزن طفل في العالم

المقالة التالية

راعي الدهشة

اخر المقالات من تحت ظلال الآلهة

سارقُ النار

لا لغة تقدر أن تكون الريح إذا شاءت أن تصف الريح إلا إذا كان كاتبها عاصفة،

العبقري

  كان غبار القرى لا يزال رائحة قميصه حين كانت تتكرر مصادفات المصعد في المبنى الزجاجي،

ما أجمل ضحاياك

قبله هل كان الشعر يمشي على الأرض؟ قبله لم يكن للشعر قدمان، كان له أجنحة لا

من يكره فيروز؟

  أنا أكره فيروز طاوعه لسانه وقلبه مرة ونطق بها، تورط في غضبة الغيرة، ولم يكن