فتنتْ، تفتن،ُ فهي فاتنٌ وفاتنةٌ

اللوحة للفنان هاني الحيد
قال له عمه الذي عاد من غربته: خُذ هذه اللعبة ولا تسأل عن غيرها. وكان غيرها مقصد الطفل وغايته، نداء دموعه أمام يقظة الأب كل صباح: ” أريد تلفزيونا”، فيسب الأب صاحب المقهى الذي أفسد الصغار بشاشة لا لون فيها.
قالت له أمه: لا تسأل أباك شيئاً لا يقدر عليه. ولم يكن طفل الثامنة يدرك أن في براءة السؤال مرارة عجز في قلب الأب، غير أنه كف عن الطلب، واستبدل السؤال بالجلوس في المقهى، ساعة بعد أخرى، يذهب بحقيبة من قماش إلى مدرسة قريبة، ويعود إلى المقهى، يهرب من حراسة الأب حين يهدده،  ويعود إلى المقهى، يسأل أمه التي لا ترد له طلباً بعض قروش قليلة، ويعود ليدفع ثمن الجلوس  أمام الشاشة الصغيرة غارقاً في السحر، شاشة يمشي خلفها بشر ويتكلمون، بشر في حكايات لا تشبه حكايات الجدة الضريرة. يمتلئ المكان ويخلو إلا منه. ينام صاحب المقهى العجوز ويعلو شخيره على سرير الطين، وحين يفتح عينيه لا يبصر غير طفل مسحور. يقول له: ألا تتعب؟، فيهز الصغير قروشه في يده، ويطلب الحلوى والشاي.
قالت له أخته: ما الذي تراه في المقهى ولا تراه في البيت، فروى لها عن جهاز عجب، عن صندوق خشبي له صوت وصورة، عن قصص تبدأ وتنتهي، وتنتهي لتبدأ، عن نساء يغنين، ويلبسن القصير حتى الركبتين، فتشهق الأخت فزعاً، وتضرب على كتفيه. قال لها عن أطفال يغنون ويرقصون: كوكــــــــــــو واوا،  معانا ريال ، جوز الخيــــل والعربية، ماما نجوى، بقلز، السندباد، على بابا.
قال لأخته عن امرأة فاتنة ينتظرها بالساعات والأيام، وكلما سأل صاحب المقهي: متى تجيء فاتن ؟ ينهره ليصمت، ويهدده بإغلاق التلفاز.
فاتن يا أختاه، لا تشبه نساء القرى والنجوع. فاتن غواية الصبا، ومنتهى الشباب، مخرج الذي لا مخرج له إلا القلب والخيال، روايات مصورة عن مدن بعيدة، عن خلق آخرين يرتدون غير الأسود الكئيب، يركبون الخيول وعربات الحديد، يتصارعون بغير ثأر القرى حين يقع الخطأ، وتزل الأقدام. فاتن يا أختاه نحيفة كعود القصب، لا سمنة تثقل خطوها، ولا رداء أسود يلف شجرة جسدها، ولا بنادق تطارد ضحكتها في اللهو والعتاب.
مضى الهوس بالطفل حتى خافت عليه الأم من هذيان، فضغطت على الأب لينجو به، حتى اقتطع من حصاد العسل والنحل ثمن التلفاز، ولما استقر الصندوق السحري في البيت، هجر الطفل المقهى والشارع، لا يغادر جلسته أمام جهاز كان أمنية، وأصبح رفيق وقت، وطاقة لحلم بعيد. تجيء فاتن وتذهب، يتابع خطوها، ينصت لنبرة عميقة في صوتها، تتخطفه بفساتين وتسريحات شعر لم يرها على امرأة حوله. يكبر الطفل، وينبت الشارب الخفيف ويشتعل القلب، تتغير الشاشات، تكبر وتتلون، لكن الأبيض والأسود بيت فاتن، تعبره الوجوه وتحاصره الضحكات، فيسأل روحه: أين فاتن؟ يتنقل بجسده من تابوت مدينة إلى تابوت مدينة، ويسأل روحه: أين فاتن؟، تخدعه امرأة، وتلاطفه امرأة، يقع في الحب ولا يكتفي، وحين تعاتبه امرأة لشرود خاطر أبعد من عينيها، يكون واقعاً في سؤاله: هذه ليست فاتن؟ أين الشعر القصير؟ أين نحافة الطائر المتأهب للبهجة؟ أين عمق النبرة في الصوت؟ أين ملاك الرحمة؟ الملاك الأبيض، الهانم، لحن الخلود، سيدة القصر، بين الأطلال، دعاء الكروان.
إنها فتنتْ، تفتن،ُ فهي فاتنٌ وفاتنةٌ، سحرُ الصغير، ورغبةُ المراهق، وحسرةُ الفتى حين غادر البيت وغادرته طفولته، هجره الأبيض والأسود، ومضت به قدماه وعيناه إلى وجوه ملونة، وقلوب ملونة، إلى نساء بلا روايات، بلا فرح هادر، أو حزن عميق. هكذا يمسح – الذي شاب شعره وخاب قلبه – على رأسه، وهو يهمس:

-غادرتني الدهشة يوم غادرني زمنٌ فاتنٌ
 مقال ( كاريكاتيزما ) – مجلة الصدى – 26 يونيو 2011

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

المقالة السابقة

راعي الدهشة

المقالة التالية

زمن المهيار الدمشقي

اخر المقالات من تحت ظلال الآلهة

سارقُ النار

لا لغة تقدر أن تكون الريح إذا شاءت أن تصف الريح إلا إذا كان كاتبها عاصفة،

العبقري

  كان غبار القرى لا يزال رائحة قميصه حين كانت تتكرر مصادفات المصعد في المبنى الزجاجي،

ما أجمل ضحاياك

قبله هل كان الشعر يمشي على الأرض؟ قبله لم يكن للشعر قدمان، كان له أجنحة لا

من يكره فيروز؟

  أنا أكره فيروز طاوعه لسانه وقلبه مرة ونطق بها، تورط في غضبة الغيرة، ولم يكن