زمن المهيار الدمشقي

اللوحة للفنان هاني الحيد

جن أو كاد. كانت اللغة جبلا تتقلب حولها الريح وتعصف وفي ثباتها ضعف، فجعل الجبل نهرا يجري. يصعد ماء اللغة ويهبط كما يصعد الدم ويهبط. جسد هو النص. جسد هي الكتابة واللغة دم. هكذا فتح المهيار الدمشقي قلبه لهواء جديد. قال اتبعوني ثمة شجر للغة لم يذق ثمراته أحد، ثمة بساتين غارقة تحت مياه راكدة وغبار قديم. تعالوا.. كل بفأس ومعول.. اهدموا لتبنوا.. وخربوا لتعمروا.. ولا تخافوا الموت لأن من ولدوا ليضيئوا يموتون.

قرأ الفتى ما وقع بين يديه، قال: هذا مرشد  وإشارة. وراح يفتش عن أبناء المهيار الشعريين. مشى خلف من مشوا خلفه. كان كل شيء حول الفتي ضيقاً ويضيق، البيت ضيق بقانون الأب والجد، القرى ضيقة بمقابرها ونخيلها، الحب ضيق بمطرقة العيب والخوف، والليل ضيق بنواح القتلى في ثأر المزارع المعتمة، أما اللغة فأضيق من فم فراشة ميتة.

قال الفتى أي أسماء هذه التي تأكل عقلي، أسماء لم يسمع أحدا ينادي بها: أدونيس.. الماغوط.. أنسي الحاج.  نظر في ما كتبوا فوجد أن لكلامهم أجنحة.. نظر ثانية فوجد للأجنحة فضاءات وسيعة.. نظر ثالثا وقال: كيف يطيرون هكذا؟ كيف تضرب أجنحتهم أبعد من دمشق وبيروت؟.

أدونيس، إشارات في هوامش ما يقرؤه الفتى، إشارات إلى اسمه ورصاصته الفارقة. بحث مضن، سؤال معلق في الحلق، كيف لقروي في جنوب بعيد على هامش الملكوت أن يصل المهيار الدمشقي وأغانيه؟ كيف للفتى أن يدخل زمن الشعر، أن يقلب بين يديه كتاب المهيار الفارق والخارق والمارق؟.

قال الفتى سأحلم ببساط سحري، لكنه لم يقدر على الطيران. قال سأجمع يوما بعد يوم القليل النادر من المهيار، فيصبح القليل كثيرا بعد حين، لكن طمع الروح أصل القلق، فما استراح الفتى لفرع ماء من محيط هادر. قال لروحه؛ سأجد حيلة، فلم يجد حيلة غير الصبر، وجمع القليل على القليل؛ حتى أتاه الفرج بالسفر إلى مدينة قاهرة حيث تباع الكتب في محال لها واجهات من زجاج،  سأل الفتى عن أسماء شياطينه وكبيرهم، قال للذي يبيع ويحسبه يهذي؛ أدونيس، فأشار الذي يبيع للفتى إلى ركن مزدحم. نقل خطواته كمن ينقل جثته إلى حيث أشار البائع؛ فرأى كنوز المهيار وأتباعه ومريديه وأبنائه الشعريين. تحسس الفتى جيوبه، وعلت الحسرة سمرته: آهٍ.. لو هذه المكتبة أرض أبي، آهٍ.. لو أن هذه الأغلفة والعناوين حصاد القمح والذرة وعسل النحل في مخزن البيت، لو أنها ما كان للجد أن يرمقني بنظرة غاضبة لأن الفأس لم تلمس يدي؛ لو أنـها ما كان للأب أن يجرني بالصوت العالي إلى بيـوت النحل. غيـر أن الآهـة لم تملأ جيوب الفتى بما يكفي لحمل ما يشتهي من كنـوز المهيار ومريديـه، فقـال هو شيء أفضل من لا شيء؛ سأحمل من شجـرة أدونيس ثمرته “زمن الشعر”. ومضى بما حمـل إلى رفقائه، قال لهم: هاهو كتــاب الساحر وزمنـه، اسمـعوا بعضاً من سحـره، إنـه يقـول: ( لا يكون الشاعر أو الشعر إلا إذا اغتسل من ركام العادة، يحترق بناره، ينبعث من رماده، هكذا يتقطر الماضي في لحظة الحضور).

هكذا يوماً بعد يوم، سنة بعد أخرى، تكثر ثمرات المهيار بين يدي الفتى: كتاب التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل، وقت بين الرماد والورد، مفرد بصيغة الجمع، احتفاءً بالأشياء الغامضة الواضحة، أبجدية ثانية، فهرس لأعمال الريح، أول الجسد آخر البحر،  تنبّأ أيها الأعمى، تاريخ يتمزّق في جسد امرأة، الثابت والمتحول، فاتحة لنهايات القرن، الشعرية العربية،  كلام البدايات، النظام والكلام، ها أنت أيها الوقت.

ها أنت أيها الوقت، قالها الفتى غير مرة حين جلس إلى المهيـار الدمشقي، حين راقب جذوة النار في عينيه، لهب الأبجدية على أطراف أصابعه، الريح التي لا تكف عن صراخها فوق الشعرات الطائرة على جانبي رأسه، سيجاره المتقد بسؤال وجنون، وتواضعه العميق، تواضع من يأتي بالضوء حين يتعثر الحاقدون في عتماتهم. إنه المهيار الدمشقي، والفتى أمامه يود غير مرة أن يقول له مقتبساً من روح المهيار إلى وصف المهيار: أنتَ هذا العبـور الذي يتقرّى، ويـولد في كل معنى: لن يكونَ لوجهكَ وَصْفٌ

مقال (كاريكاتيزما) مجلة الصدى – 3 يوليو 2011

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

المقالة السابقة

فتنتْ، تفتن،ُ فهي فاتنٌ وفاتنةٌ

المقالة التالية

الديكتاتور الطيب

اخر المقالات من تحت ظلال الآلهة

سارقُ النار

لا لغة تقدر أن تكون الريح إذا شاءت أن تصف الريح إلا إذا كان كاتبها عاصفة،

العبقري

  كان غبار القرى لا يزال رائحة قميصه حين كانت تتكرر مصادفات المصعد في المبنى الزجاجي،

ما أجمل ضحاياك

قبله هل كان الشعر يمشي على الأرض؟ قبله لم يكن للشعر قدمان، كان له أجنحة لا

من يكره فيروز؟

  أنا أكره فيروز طاوعه لسانه وقلبه مرة ونطق بها، تورط في غضبة الغيرة، ولم يكن