راعي الدهشة

اللوحة للفنان هاني الحيد
رصاصة واحدة وأربعة رجال مارقين يتربصون به شراً، ماذا يفعل راعي البقر وهو يحرك بندقيته، ويلمس تفاحة آدم البارزة في رقبته، ثم يدير رأسه ليرقب التلال باحثاً عن مخرج نجاة؟ ماذا يفعل الراعي برصاصة واحدة وحصان يكاد يقتله العطش والجوع؟
الراعي في حيرته، والطفل على حصيرة سعف النخيل واقع في قلق عليه، تتحالف موسيقى الفيلم ضد أعصاب الصغير، يزحف قليلاً ليواجه شاشة التلفاز، ثم قليلاً قليلاً كلما لعب المشهد والموسيقى بدمه، يود لو يستطيع أن يحذر بطله من ثماني عيون جائعة إلى قتله.
يصهل الحصان الجائع بألم، فينزل عنه الراعي مربتاً على عنقه بمودة صديق. يضيق الطفل بما يرى ويحب ما يضيق به، تحذره الأم “التليفزيون سيأكل عينيك وتصبح أعمى.. ارجع للخلف”، يتجاهل الطفل نصيحة الأم المكررة، ويراقب بطله الحائر. المارقون الأربعة جهلة برصاصة الراعي الواحدة، يعرفون قسوته وعناده، ويعلمون أن مثله يستطيع أن يصوب في أربعة اتجاهات في أربعة ثوان. يستريح بحصانه في حضن صخرة كبيرة مقوسة، ذكاؤه لا يخذله، الظل يمنح الحصان راحة فيما يتسلل الراعي بين الصخور باتجاه مطارديه. تنزلق قدمه فيكاد يقع في منحدر قاتل، يهتز الطفل ويهمهم كأنما يحذره ويسب الحظ.
تضع الأم أمام صغيرها الغداء، فيزيحه جانباً ويشد ثوبها لتبتعد عن زاوية الرؤية. يصل الراعي إلى هدفه الأول، يبادره بحجر على رأسه، ويأخذ سلاحه، لم يعد الآن راعي الرصاصة الواحدة. يطمئن الطفل على حصيرة سعف النخيل، يلتقط سريعاً قطعة خبز يغمسها في طبق البامية ثم يلقيها في فمه، ويتابع حركة الراعي الزاحفة تجاه آخر وراء صخرة، لن يستطيع الوصول إليه مباشرة، عليه أن يجرب حيلة جديدة، يكمن له، حتى يلمح ساقه دون غطاء، يصوب باتجاهها، فيتفتت العظم ويصرخ الهدف كاشفاً عن جسده، فيريحه الراعي برصاصة في القلب. يطمئن الطفل ثانية بابتسامة ويلتقط قطعة لحم من غداء أصبح بارداً، يمضغ بنشوة وهو يزداد أملاً في نهاية سعيدة لبطل غير سعيد. يكبر الطفل ويفارق حصيرة سعف النخيل إلى مقاعد من خشب وجلد، تأخذه الطرقات، وتتلبسه الوجوه، ويغرم بالحكايات والشاشات، يتعلق بما يسحر العين والقلب، ويتابع الراعي من فيلم إلى فيلم: «من أجل حفنة دولارات»، الطيب والسيئ والشرير، اشنقه عالياً، اصبغ عربتك، هاري القذر، قوة ماغنوم، الهروب من سجن الكاتارز، التأثير المفاجئ، صياد أبيض وقلب أسود، لا غفران، طفلة المليون دولار
الآن، في عمره الجديد، يستنجد الفتى بصاحب التفاحة، بالراعي الذي عشقه طفلاً، وثقل عليه نطق اسمه يوم كان لا يفهم غير لغة واحدة، الآن كلما  غلبه الحنين  يقف أمام « جسور بلدة ماديسون»، يراقب كلينت إيستوود، ويهمس: آهٍ أيها العبقري، هل تذكر؟ أنا طفل حصيرة سعف النخيل، وأنت الراعي برصاصة واحدة، أخذتني خلفك على حصان لم يكن ظامئاً أو جائعاً، تنقلت بي من سحر إلى سحر، من جبال الغرب ورعاة البقر، إلى أسرار المدن وظلال رجالها ونسائها، وعتمة الخيانات والقتل، حتى أغرقتني في الحب والأسى تحت « جسور ماديسون». أقول لك اليوم، أيها العبقري العجوز، خسرتُ طفولتي ولم تخسر سحرك، خسرتُ أصدقاء بلا مواهب، ولم أخسر صداقتك. الآن الآن أيها يا راعي الدهشة، أغادر حصيرة سعف النخيل إلى مدن وبيوت تتغير ألوانها ويتبدل فراشها، ولا أغادر ظهر حصانك
مقال ( كاريكاتيزما ) – مجلة الصدى – 19-6-2011

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

المقالة السابقة

في يوم.. في شهر.. في سنة

المقالة التالية

فتنتْ، تفتن،ُ فهي فاتنٌ وفاتنةٌ

اخر المقالات من تحت ظلال الآلهة

سارقُ النار

لا لغة تقدر أن تكون الريح إذا شاءت أن تصف الريح إلا إذا كان كاتبها عاصفة،

العبقري

  كان غبار القرى لا يزال رائحة قميصه حين كانت تتكرر مصادفات المصعد في المبنى الزجاجي،

ما أجمل ضحاياك

قبله هل كان الشعر يمشي على الأرض؟ قبله لم يكن للشعر قدمان، كان له أجنحة لا

من يكره فيروز؟

  أنا أكره فيروز طاوعه لسانه وقلبه مرة ونطق بها، تورط في غضبة الغيرة، ولم يكن