حياة ثقيلة على ساق واحدة

قال الطبيبُ: ساقكَ اليسرى مرهقةٌ والألم صوتها الذي لا يسمعه سواكَ. انتبه.. لأن الموتَ قد يبدأ من العظام، والعجزَ قد يبني له بيتاً ما بين المفصل والركبة، وحين يستيقظ الجيران على صراخك آخر الليلِ، سيكتفون بالشفقةِ وربما الشكر الجزيل إلى الله، لأن سيقانهم نائمة بهدوء كالأطفال.
انتبه.. لن يبادلك أحد الساق بالساق، سيضعون فوق ظهرك الذنوب والشبهات، ويحسدونك في السر على ساقك اليمنى

قال الطبيب في الثانية صباحاً: خُذْ إبرة المخدر والمضاد الحيوي ولا تستخدم قلبك إلا قليلاً، لا تستهلك جانبك الأيسر أكثر مما يجب: انتبه للقلب، والساق، والرئة، نم على جانبكَ الأيمن، وابكِ بعينك اليمنى، ووزع أحزانك بعدلٍ وحكمةٍ على أعضائك الأخرى، خُذْ إبرة المخدر، ولا تفكر في حبيبتك قبل النوم، لا تفكر سوى في نعمة النوم

قال الطبيب في الثانية والنصف صباحاً: المضاد الحيوي ثلاث مرات يومياً بعد الأكل.. ووضع الصيدلي ثلاثة خطوط على العلبة الزرقاء، من دون أن أقول لهما إنني أكتفي بوجبة واحدة، وإنني لا أجيد الطهي، لا أجيد سوى البكاء بصمت ثلاث مراتٍ في اليوم:
  حين أستيقظ وحيداً..
  حين أهاتف عامل البيتزا لأجل وجبة واحدة..
  حين أغمض عيني كل ليلة على الوسادة الخالي
يقول الطبيبُ: لا تحنِ ظهرك أمام أحدٍ، اجلس مستقيماً، واكتب مستقيماً، وحرك قدميك كما تحرك “الماوس”، اعزف بأصابعك على الأرض ما تحبه من ألحان الطفولة، واحترس من فتيات الـ (Wallpaper)، احترس من النوم كالجنين وحيداً، ومقوساً، لأن الأجنة لا يبلغون الأربعين في بطون أمهاتهم. اسأل حبيبتك على الهاتف عن الأعراض الجانبية للحزن، قل لها: الحياةُ ثقيلة يا جميلة على رجل وحيد، وبساق واحدة

يقولُ الطبيبُ: لا تحنِ ظهرك لأحد، وحين يسألك الآخرون عن الجبال التي تسقط فوق ظهورهم.. تحدث عن الجبال التي فوق ظهرك، قل لهم: نحن في الهم سواء، فلا تتركوا أثقالكم على بابي، قل لهم: ساقي اليسرى متعبة يا أصدقاء، فعودوا في يوم آخر، عودوا في مساءٍ غير هذا المساء

يقول الطبيبُ: هل تظن أن لدي ما تريد من الشفاء؟ هل تظن أنني سأدفع عنكَ الكوابيس، ووجوه الموتى، والأماكن وأكاذيب النساء، هل تظن أن لدي دواءً يرفع عنكَ الفقد والحنين، ويعيد إلى قلبكَ الطمأنينة؟

انتبه يا صديقي، وتحرر من أحلامك المستحيلة؟
في كل مرة أذهبُ إلى مستشفى “النور”، أخرج منتصراً كجنرالات الحروب، لأنني قادر على خداع الطبيب، قادرٌ على الكذب باحترافٍ أمام الصيدلي، فيظنان أن حبيبتي لا تنام الليل إلا حين أنام، يظنان أن حبيبتي تسألني ثلاث مرات في اليوم: “هل أخذت الدواء”؟ يظنان أن أصدقائي عاطلون عن البهجة لأنني عاطلٌ عن السير، في كل مرة أذهب إلى مستشفى “النور” ألعب مع الطبيب والصيدلي، الأول يقول: ثلاث مرات، والثاني يرسم ثلاثة خطوط، وأنا أبتسمُ في سري، وأتذكر الهاتف المعطل في البيت، أتذكر نزيف الوحدة في الطابق الحادي عشر، أتذكر حبيبتي النائمة، وأمي النائمة، وأخوتي النائمين، وأصدقائي الساهرين في المقاهي، وأقول: مَنْ يبادلني الساق بالساق؟
يقولُ الناطورُ لموظف التعداد السكاني: ياسيدي، في الطابق الحادي عشر شخص وحيد وبساق واحدة، وتقول الجرسونة في مقهى “لابريوش” لصانع القهوة: فنجان مضبوط للرجل الوحيد بساق واحدة ، ويقول ضابط المرور: سأعفيك من غرامة العبور الخاطئ لأنك وحيد وبساق واحدة، فأحمد الله على التجربة، وأغفر لحبيــبتي وأمـي وأخوتي وأصدقائي، وأشكر من دون مبالغة مخترعي الأدوية المسكنة والمخدرة والمضادات الحيوية، وعاملة المقهى، وضابط المرور، والناطور، وموظف التعداد السكاني، لأنني تعلمتُ على أيديهم أعمدة الحكمة السبعة:
أولاً: الحبُ عقدٌ مشروط بالصحة، وليس غرفة للعناية المركزة
ثانياً: الصداقة تبادل للمنافع الشخصية وليس تبادلاً للأعضاء المعطوبة
ثالثاً: الأحذية الرياضية تساعد قليلاً في تخفيف ثقل العائلة
رابعاً: البكاء على ما مضى يجفف المنطقة الناعمة ما بين الفقرة الخامسة والسادسة في العمود الفقري
خامساً: أعداء النجاح يراهنون دائماً على الجانب الأيسر من الجسد، وحماية القلب تبدأ باللامبالاة والضحك.
سادساً: الكتفان ميزان طبيعي لتوزيع أحزاننا بعدل على الجانبين، واستخدام الحزام الطبي ضرورة لضبط التوازن والحركة.
سابعاً: الألم تجربة فردية لا مشاركة فيها، يستخدمها الأصحاء كرواية مسلية في منتصف الشفقة والنميمة

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

Default thumbnail
المقالة السابقة

غبار لا يصل القلب

المقالة التالية

مقاطع من ديوان الوسيلة المتاحة للبهجة

اخر المقالات من سيرة الحنين والفوضى

THE VOICE OF ENIGMA

بالأمس قررت أن أكون وحيداً مع صوت “إنيجما”، قررت أن أكون مخلصاً لها لمرة واحدة، وفي