امرأة.. أَمْ غابة حزن؟

اللوحة للفنان هاني الحيد

هل أغرقها الحجر الثقيل الذي ملأت به جيوب ثوبها حين خطت باتجاه البحر، وألقت بجسدها إلى زرقة الماء؟.

حتماً لم تكن بحاجة لأن تضع الأحجار في جيوبها، لأن ثقل ما يملأ روحها من قلق كان كفيلاً بأن يأخذها أسفل الماء وزرقته فلا تطفو لها جثة، غير أن التي أغرقت نفسها، لم تستطع أن تغرق اسمها، وما تركته من حبر وورق لا يغرقه بحر أو محيط.

فرجينيا وولف، إنها هي، وهذا اسمها، فرع حزين وإن احتفظ باخضرار أوراقه في شجرة الرواية الإنجليزية والعالمية. فرع مثقل بالأسئلة والتوتر، لم يستطع احتمال عناء الروح، فآثر السقوط، اختار الموت على الحياة، شد خضرته الوارفة منتحراً، تاركاً فجيعة الفعل، ونزوة القرار.

وجه مملوء بالسؤال، وجه كأنه علامة استفهام من دم ولحم، استفهام لم يجد إجابة، وعينان غارقتان في الأسى، ذلك الأسى الذي إذا اختلط بوجه وروح امرأة عارفة ومغايرة منحها جاذبية عميقة، وجمالاً يأتي من داخل البدن إلى خارجه، إنه الأسى الجميل لأن صاحبته تقول لك بعينيها: ” أنا لست تافهة، وقلبي يضج بالمعرفة والحياة”. هي كتلة حزن ولو أردت وزنها لرجحت كفة حزنها على أفراح ملايين غيرها. إنها فرجينيا، سارقة شعلة الحكمة من جبال معرفة وخبرة، ألم تقل (كل امرئ يضمر ماضيه كأوراق كتاب حفظه عن ظهر قلب، وأصدقاؤه لا يقرأون إلا العنوان)، وقالت:( في معظم الأحداث التاريخية كان المجهول امرأة(، وقالت:( أعين الآخرين سجوننا، وأفكارهم زنازيننا).

رسمت فرجينيا وولف، مع غيرها، ملامح ما يسمى “تيار الوعي” في القرن التاسع عشر، وهو تيار أدبي  أعلن تمرده وخروجه على نمطية وثبات السرد التقليديّ، فأحدث تحولاً جذرياً وحداثياً، وكما تشير الشاعرة فاطمة ناعوت، التي تصدت بجرأة واقتدار لترجمة عوالم فرجينيا الإبداعية:( فرجينيا وولف، أحد أهم القامات في الأدب الإنجليزيّ و روّاده في حركة التحديث الروائيّ. صنعتْ إسهامًا مهمًّا في تغيير شكل الرواية الإنجليزية إذ نجحَ حسُّها التجريبيّ في تطويرِ الأسلوبِ الشعريّ خلال السرد القصصيّ والروائيّ عبر اعتمادها التقنيات التجريبية مثل : المونولوج الداخلي ، الانطباعية الشعرية ، السرد غير المباشر ، المنظور التعدديّ ، إضافةً إلى ما يُعرف نقديًا بـ “تيار الوعي”).

وتضيف ناعوت:( تعْمَدُ وولف إلى نَحْتِ جُمَلٍ شديدةِ الطول والتركيب، وتنهجُ تيمةَ تيار الوعي، والتداعي الحرِّ للأفكار، والمونولوج الداخليّ، والْتِفات الضمائر، وكذا تذويبِ الجُدُر الفاصلة بين المرئيّ الملموس والفانتازيّ المُتخيَّل. كلُّ ما سبق يجعل كلَّ قطعةٍ من أعمالها كأنما فَرَسٌ حرون، لا قِبَل لترويضه أو توقُّع خطوته القادمة، وهنا مكمنُ الفنِّ الرفيع ومتعة التلقي، ومكمنُ الصعوبة أيضًا).

إنها فرجينيا وولف، غابة شجر حزين، ليست امرأة عابرة، ليست كاتبة على أريكة قطيفة وحرير، قالت كلمتها ومضت بعد أن اختارت لكلمتها وجوداً جديداً ومغايراً، وكان ذهابها مأساوياً تحت وطأة الاكتئاب والمرض، والأصوات التي تسمعها، أصوات قادمة من بئر سحيقة في عقلها، مضت فرجينيا وولف يوماً، رفعت يدها اليمنى وهزتها في الهواء بتلويحة وداع لكل من يستوعب حرائق حيرتها، جمعت من حافة البحر أحجاراً لتثقل ثوب الجسد، ليتعادل ثقل الجسد مع ثقل معاناة الروح، وقبلها تركت للزوج رسالة صارت تاريخاً وشهادة، وآخر ما خطته اليد التي رقدت تحت زرقة مياه عميقة، كتبت فرجينيا مودعة فقالت، وما أحزن وأجمل ما قالت لزوجها، ولنا، وللتاريخ:( إنني على يقين من أنني أرجع لجنوني من جديد، أشعر أننا لا يمكن أن نمر في فترة أخرى من هذه الفترات الرهيبة، وأنا لن أشفى هذه المرة، أبدأ بسماع أصوات، لا يمكنني التركيز، سأفعل ما يبدو أفضل شيء. أعطيتني أكبر قدر ممكن من السعادة، وقد كنت أنت في كل شيء، كل ما يمكن أن يكون أي شخص، لا أعتقد أن شخصين من الممكن أن يكونا أكثر سعادة منا حتى جاء هذا المرض الرهيب، لا أستطيع أن أقاوم المزيد، وأنا أعلم أنني أفسد حياتك، لا أستطيع حتى كتابة هذه بشكل صحيح، لا أستطيع القراءة، ما أريد قوله هو أنني مدينة لك بكل السعادة في حياتي،وقد كنت معي صبوراً تماماً وجيداً وبشكل لا يصدق، أود أن أقول ذلك، والجميع يعرفه، إذا كان من الممكن أن ينقذني أحداً فسيكون أنت، كل شيء ذهب مني إلا اليقين بالخير الذي فيك، لا أستطيع أن أزيد إفساد حياتك بعد الآن، ولاأعتقد أن شخصين من الممكن أن يكونا أكثر سعادة مما كنا عليه نحن..(ف).

……

ليس بعد رسالتها كلام، وليس بعد (فاء) اسمها، (حاء) حرف يمكن كتابته.

مقال كاريكاتيزما- مجلة الصدى- العدد 664

1 Comment

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

المقالة السابقة

سارقُ النار

Default thumbnail
المقالة التالية

اصعدْ شجرةَ الوداعِ ببطءٍ

اخر المقالات من تحت ظلال الآلهة

سارقُ النار

لا لغة تقدر أن تكون الريح إذا شاءت أن تصف الريح إلا إذا كان كاتبها عاصفة،

العبقري

  كان غبار القرى لا يزال رائحة قميصه حين كانت تتكرر مصادفات المصعد في المبنى الزجاجي،

ما أجمل ضحاياك

قبله هل كان الشعر يمشي على الأرض؟ قبله لم يكن للشعر قدمان، كان له أجنحة لا

من يكره فيروز؟

  أنا أكره فيروز طاوعه لسانه وقلبه مرة ونطق بها، تورط في غضبة الغيرة، ولم يكن

الفرح المتاح

  مات ولم أزل أحبه، ربما لأن الموتى الجميلين يستحقون الاعتراف بالحب، يستحقون أن نقولها بعدهم