المسحراتي

اللوحة للفنان هاني الحيد
ليل بعيد، هناك في بئر ذاكرة عمقها أربعون عاماً أو يزيد، ليل معتم لا ضوء فيه غير مصباح كيروسين تذبل شعلته ويتفحم زجاجه، يراقبه الصغير خائفاً ان ينطفيء فتدخل العفاريت إلى الغرفة. الأخوة نائمون، وشخير بعضهم لا يغطي على صوت الضفادع الجائعة على حافة الترعة أمام البيت.

ليل رمضاني بعيد، والنعاس يثقل الجفون الصغيرة، غير أن الطفل المختبيء تحت لحاف القطن لا يريد السقوط في النوم قبل أن تطرب أذناه بطبل المسحراتي وصوته الشجي، يسأل سقف الغرفة، النافذة الطينية، الراديو المتهالك خافت الصوت: متي يسمع طبلُ السحور الشهي فتحل مائدة لا تشبه موائد الإفطار؟، لأن الليلة موعودة بضيف عزيز، ليلة سحور المقريء الضرير، مقريء القرآن الذي تدور قدماه على بيوت العائلة في الإفطار والسحور، وعلى كل بيت  أن يباهي بما جهزت نساؤه من طعام وحلوى، مباهاة لا يبصرها  مقريء ضرير يلتهم اللحم قبل الخبز.

ليل طويل، يتقلب الصغير في حرب النعاس، يود لو أن يديه الآن غارقتان في صنية الحلوى المرصودة للمقريء الموعود بما لذ وطاب. يخفت ضوء المصباح كأنما يتحالف مع النعاس في جفونه، يفرك الصغير عينيه وهو يطل على أجساد أخوته النائمين، ويحذر روحه من  عفريت الظلام التي قد تجيء بعد قليل، ينادي أمه في الغرفة القريبة، غير أن التعب ينال من يقظتها فتروح في سكون النوم إلى حين يطرق الأب الباب بعصاه عائداً من مجلس العائلة بضيف السحور.

يود الصغير لو يستطيع أن  يغير مواقيت الراديو فيسمع صوت  المسحراتي الشجي، صوت له أحبال تشد الطفل إلى خيالات بعيدة، تعلقه في صور الكلام. يوماً بعد يوم، رمضان بعد آخر، حفظ الصغير اسم الطبال، اسم المؤدي، اسم المطرب والملحن، جرى اسمه سهلاً على لسانه (سيد مكاوي)، ووقع صوته بطعم الحلوى في آخر نقطة من القلب: (اصحي ياااا نايم، وحد الدااايم، وقول نويت، بكره إن حييت، الشهر صايم، والفجر قايم، اصحى يا نااايم، وحد الرزااااق).

سنوات عشر لم ينل الصغير فيها غير مرات أربع طعم الحلوى على إيقاع الطبل والصوت الشجي. سنوات عشر من طفولته كسب النعاس فيها حرب السحور إلا قليلاً، وثمة دموع في حرب الخسارات كانت تذبح قلب الأم على صغيرها المكلوم في صباحات اليقظة على مرارة الفشل والفم. تقول له: سأجهز لك من الحلوى ما تشاء، غير أن ما يشاء الصغير هو حلوى ليلة السحور،  حلوى انتصار جفونه على ثقل النعاس ، حلوى طبل المسحراتي مع ذوبان العسل والرقاق تحت اللسان وفوقه، حلوى الكلام العميق الذي يحسه القلب ولا يدركه العقل الصغير:( المشي طاب لي، والدق على طبلي، ناس كانوا قبلي قالوا في الأمثال، الرجل تدب مطرح ماتحب، وأنا صنعتي مسحراتي في البلد جوال، حبيت ودبيت كما العاشق ليالي طوال، وكل شبر وحتة من بلدي، حتة من كبدي، حتة من موال).

الآن يدرك الذي غادر طفولته أن رمضان حين يجيء يوقظ داخله طفلاً بعصا وسوط، يضرب ظهره بوجع قديم، فلا تطيب له حلوى النجوم الخمس، ولا يهزه غير صوت الشيخ الضرير:
(لكن جوانحي بـــــيرفرفوا
في صدري بلبل أنا اعرفه
من قبل نسمه ما تحـــــدفه
يلاقى نسمه بتــــــــــــلقفه
يمكن يجــوز
راجل عجوز
)
صوت وطبل كان يجيء من صندوق خشبي مملوء بالسحر والشجن، صوت ما زال الأربعيني حين يسمعه يود لو يترك دموعه تجرى أنهاراً ومحيطات حتى تغرق سرير طفولته التي لم تغادره. الآن يستعيد سذاجه أحلامه، يقلب لسانه على مرارات وخذلان، وهو يهمس بصوت المسحراتي
بكيت مسحت دموعي
بامسح دموعي بكيت
مقال كاريكاتيزما – مجلة الصدى – 7 أغسطس 2011

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

المقالة السابقة

"عـالم ثـاني"

المقالة التالية

القيثارة

اخر المقالات من تحت ظلال الآلهة

سارقُ النار

لا لغة تقدر أن تكون الريح إذا شاءت أن تصف الريح إلا إذا كان كاتبها عاصفة،

العبقري

  كان غبار القرى لا يزال رائحة قميصه حين كانت تتكرر مصادفات المصعد في المبنى الزجاجي،

ما أجمل ضحاياك

قبله هل كان الشعر يمشي على الأرض؟ قبله لم يكن للشعر قدمان، كان له أجنحة لا

من يكره فيروز؟

  أنا أكره فيروز طاوعه لسانه وقلبه مرة ونطق بها، تورط في غضبة الغيرة، ولم يكن