الذي لا أعرف اسمه

واقفاً يحرس بناية حكومية حين اصطادت وجهه عدسة كاميرا المراسل الذي كان يقدم تقريراً مباشراً لإحدى الفضائيات عن الحياة تحت جحيم القصف، ولأن وقفته المشدودة خلف أكياس الرمال تقاطعت مع حركة المارة في الشارع، ظهر الجندي كرمز لحرب قائمة، رأيتُ وجهه لثوان خاطفة، الخوذة تغطي جبهته قليلاً، شارباه الدقيقان وعيناه المملوءتان بالجدية واستدارته التلقائية تجاه الكاميرا، كلها أشياء لم تعطني ما يمكن أن تقدمه صورته الجادة من صرامة وقسوة، ثمة إحساس برق من عينيه في ثانية واحدة
إحساس إنساني لم يستطع الجندي أن يخفيه وراء سمرة وجهه وإصبعه القريب من زناد سلاحه الآلي، هل كان في اللحظة التي برقت فيها نظرته يتذكر خطيبته التي طلب يدها من أبيها قبل أيام من تجنيده، وأهداها قرطاً ذهبياً ووعدها بسوار ذهبي يزين معصمها، وحقيبة مملوءة بالثياب والهدايا ؟ ما الذي مر في خاطره ؟ هل يغلبه الحنين إلى صوت أبيه، إلى عراك أخوته في مدخل البيت حين يداعب أحدهم الأخر في عناد الطفولة ؟
انحرفت الكاميرا قليلاً
اختفى الذي لا أعرف اسمه
اختفى الجندي وبقيت صورته في الذاكرة، صورة إنسان ربما في غفلة من حذره وسلاحه يحترق كعود ثقاب إذا اختارته شظايا القنابل الهابطة بلا رحمة.
الجنود – وقود المعارك – لهم الروح نفسها، والأسماء ذاتها والأحلام الإنسانية التي تسكن صدور الناس في البيوت الآمنة ؟ هم ليسوا أصنافاً أخرى من البشر هم بعض البشر، هم أمثالنا.
لماذا نظن – وبعض الظن إثم – أن الثياب العسكريةتجردهم من الأحلام، من الضعف الإنساني، من شهوة الحياة والفرح ؟ ماذا لو أن هذا الجندي أو ذاك سقط قتيلاً في معركة حاسمة؟ ماذا تقول الأم في بكائها حين تبيض عيناها لوعة وحسرة ؟ ماذا يقول الأب حين ينظر إلى صورة ابنه طفلاً في ثيابه المدرسية ؟
هو الجندي ،هو الإنسان، هو المأمور بالمهمة، المجبور على القسوة، القاتل حتى لا يقتله التردد، المسروق من قلبه، المأخوذ إلى التهلكة بالأمر: كن قاتلاً، هو الجندي في جيب سترته العسكرية صورة عائلية ورسالة حب، في يديه سلاحه وحزامه مثقل بالقنبلة والذخيرة، وفي رأسه قناعاته وولاءاته الكثيرة،
أيتها الطمأنينة المستحيلة، كيف يقتنصك الجنود في المعارك ؟ أيتها الحروب اللعينة ما الذي يطلع من رائحة البارود غير الموت أرقاماً في بيانات عقيمة ؟
أيتها الأمهات الباكيات تحت أسقف البيوت
افتحن الأبواب والنوافذ والشرفات وارفعن الصوت بالأناشيد الحزينة.
هل يصل الصوت ؟

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

المقالة السابقة

أحزان السيدة الطيبة

المقالة التالية

يوميات مواطن عربي

اخر المقالات من لا يدخل الليل إلا وحيدا

عفاريت جرجس شكري

لا أحتاج إلى كثير من الجهد لأكتب عن جرجس شكري، كما لا أحتاج إلى استدعاء التوتر

ثمن الخطايا

ثمة محبة تفيض في قلوبنا عادة تجاه ماضينا حتى لو كان كريهاً، نحن نتلهف إلى ما

عم فايز

كان طيباً وهادئاً، لكنني لم أحبه إلا حين كبُرت، وذهبت سذاجة الطفولة، لم يضر أحداً، ولم

أبو الأيتام

ورطني رئيس التحرير يوماً في محبة هذا الرجل. لم أكن أعرفه عن قرب، كنت واحداً ممن

حلم نبيل

وجه أبيض مستدير، لحية صغيرة غريبة على أهل الجبال المغرمين باللحى الطويلة، طيب القلب كطفل أفلت