أحزان السيدة الطيبة

لم تدرك السيدة الطيبة بعد أن ابنها الذي رحل بعيداً لم يعد يشبه صورته المعلقة على الجدار، وأن ثمة مسافات هائلة تفصل بين وجهه الثابت خلف زجاج البرواز الخشبي، وبين قلبه الذي يطارد في قارات الدنيا ضوء أحلامه في عتمة الأسئلة، فلم يبق لها منه سوى اسم أعطته إياه حين أنجبته ذات شتاء بعيد، وشدت الغطاء على جسده الصغير النائم آلاف المرات، وفرحت به ولداً يسند إباه عندما يشتد عوده، ويضرب فأسه في بطن الأرض السوداء زارعاً قدميه في مياه جارية تروي ظمأ الثمر والشجر.
لم تدرك السيدة الطيبة أن النبوءة التي تسكن قلبها ستبقى ناقصة، فالولد الذي أغرته التساؤلات وعيون النساء المكسونة بالحزن، تحرر من ضيق المكان والرزق، وطمع في الجنون الذي تهديه إياه الحروف حين كان ينسجها في سذاجة تحت ظلال نخلة آثر جده ذات صباح أن يقطعها من جذورها ليصنع من بنيانها الشاهق أعمدة لمدخل البيت القديم.
لم تدرك السيدة الطيبة أن الشكوى – على الهاتف – من حنينها واطمئنانها المفتقد لها ما يبررها في قارة أخرى، وأن قلبها لا يكذب حين يرتج لحظة دخولها النوم، فالولد الذي كبرت سنواته يراوح بين قارتين، واحدة لها وواحدة له وما بينهما هاتف محمول و ثابت، واختصارات لائقة بالوقت والفاتورة ومراوغة متعمدة لإهدائها اطمئناناً كاذباً، فيصف لها كيف تناول وجباته الثلاث فتكف عن سؤاله عن طعامه وشرابه، وتذهب إلى أمنيتها المؤجلة وتستحلفه بالغالي أن يتخذ له زوجة تسهر على راحته إذا أتعبته الغربة وأرهقه الغياب، فيداعبها: ” اختاري لي “، فتقسم أن ابنة خالته استدار وجهها كالبدر وأن عينيها كجوهرتين من الماس، وأن خطابها أكثر من أوراق الشجر.
لم تدرك السيدة الطيبة أن ابنها اكتفى من الزواج بفشل جميل، واختفى وراء حزن لا يعرف سره ولا ينفع فيه دعاؤها المسائي، وأن صباح إفطارها المسبوق برائحة السمن والعسل والشاي الثقيل لم يعد سوى دخان سجائر بقيت من ليلة سابقة أنفق سوادها في اقتفاء أثر نغمة في لحن قديم.
تسأله حين يلمس صوته آخر عمق في قلبها: كيف يسافر الصوت بين اثنين في قارتين من بلاد الله الواسعة ؟ ويضيء وجهها بدهشة حين يخبرها أنه يحدثها من مقهى عبر هاتف أصغر من علبة سجائره، ويتتبع بشغف نبراتها، ويرى بعين قلبه كيف تداري على الجانب الآخر علامة استفهام أكبر عن هواتف بلا أسلاك، فيحبها بعمق ويسأل الله أن يبقى لها طيبتها ودهشتها التامة.
لم تدرك السيدة الطيبة وهي ترتب ملابسه في دولابه القديم، وتدس زجاجة عطر وتعويذة شيخ ضرير بين قمصانه ذهبت كما ذهبت ألوانها، وأن آخر صبرها خيبة في الولد الذي زينت له الكتابة غير ما صنع أبناء الجيران، أقرانه المحاطون بالأبناء والنائمون تحت سقف قريب من روائح الأم والأب، تسأله ألا يبقى وحيداً، فيحدثها كاذباً عن أصدقاء طيبين، فيما تصعد آهة مكتومة إلى صدره.
لم تدرك السيدة الطيبة أن صلواتها في قلب الليل لن تعيد غائبها، وأن الذي ودع عينيها الباكيتين سرقت النساء طفولة روحه، وأغرقته العابرات بالأكاذيب والورود المجففة، فمضى خلف سراديبه يقطعها واحداً واحداً، ويبكي بلا صوت في آخر الليل.
لا تدرك السيدة الطيبة أن الذي يفصل بين صورة قديمة على الجدار، وبين أحوال الغائب البعيد، أكبر من مسافة بين قارتين، أكبر من صوت بين هاتفين متحرك وثابت، أكبر من طفولة القمصان التي ذهبت ألوانها، أكبر من احتمال ممكن لعودة جسد فارقته روح الذي ينظر من صورته، وأن الذي تترقبه بنظراتها المعلقة على أول الشارع لم يعد هو ذاته الذي تعرفه منذ أن استبدل شايها الصباحي بقهوة مرة على مقعد معدني، وطاولة من زجاج.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published.

المقالة السابقة

العباءة السوداء

المقالة التالية

الذي لا أعرف اسمه

اخر المقالات من لا يدخل الليل إلا وحيدا

عفاريت جرجس شكري

لا أحتاج إلى كثير من الجهد لأكتب عن جرجس شكري، كما لا أحتاج إلى استدعاء التوتر

ثمن الخطايا

ثمة محبة تفيض في قلوبنا عادة تجاه ماضينا حتى لو كان كريهاً، نحن نتلهف إلى ما

عم فايز

كان طيباً وهادئاً، لكنني لم أحبه إلا حين كبُرت، وذهبت سذاجة الطفولة، لم يضر أحداً، ولم

أبو الأيتام

ورطني رئيس التحرير يوماً في محبة هذا الرجل. لم أكن أعرفه عن قرب، كنت واحداً ممن

حلم نبيل

وجه أبيض مستدير، لحية صغيرة غريبة على أهل الجبال المغرمين باللحى الطويلة، طيب القلب كطفل أفلت